العراق يعيد إحياء مشروع حذف الأصفار من الدينار وسط أزمة نقدية وميزانية متصاعدة

يعيد العراق فتح ملف حذف الأصفار من العملة الوطنية، في خطوة تعيد إلى الواجهة مشروعاً نقدياً مثيراً للجدل طُرح مراراً خلال أكثر من عقدين، وسط ضغوط متزايدة على الميزانية العامة وتراجع الإيرادات النفطية وتضخم حجم السيولة النقدية المتداولة خارج النظام المصرفي.
وأكد عضو اللجنة المالية البرلمانية أحمد رشيد أن مشروع إصلاح العملة لا يزال قيد النقاش داخل البنك المركزي العراقي، مشيراً إلى أنه لم يصل حتى الآن إلى مجلس النواب ولم يتحول إلى مشروع قانون رسمي.
وقال رشيد إن المناقشات الحالية تبدو أكثر جدية من المحاولات السابقة، معتبراً أن هناك مبررات اقتصادية دفعت إلى إعادة فتح الملف، لكنه شدد في الوقت نفسه على عدم وجود جدول زمني محدد لبدء تنفيذ المشروع.
ويعود الحديث عن حذف الأصفار إلى سنوات طويلة، إذ طُرح المشروع لأول مرة بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ثم عاد البنك المركزي العراقي إلى طرح فكرة حذف ثلاثة أصفار عام 2011 بهدف تسهيل المعاملات المالية وإعادة تنظيم النظام النقدي، إلا أن المشروع جُمّد لاحقاً بسبب الاضطرابات السياسية والحرب ضد تنظيم داعش والأزمات الاقتصادية وانخفاض أسعار النفط.
وتأتي عودة النقاش هذه المرة في ظل أزمة مالية تواجهها بغداد بعد اضطرابات إمدادات النفط، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد العراقي بصورة شبه كاملة على العائدات النفطية التي تشكل ما لا يقل عن 90% من إيرادات الموازنة الاتحادية.
وانخفضت الإيرادات النفطية بصورة حادة خلال الأشهر الماضية، في وقت تواصل فيه الحكومة تحمل أعباء ضخمة تشمل الرواتب والمعاشات التقاعدية والرعاية الاجتماعية، والتي تبلغ نحو 6.5 مليارات دولار شهرياً، ما أعاد الضغوط المالية إلى واجهة النقاش الاقتصادي في البلاد.
وتبرز مشكلة السيولة النقدية خارج المصارف باعتبارها أحد أبرز الأسباب التي تدفع المسؤولين إلى إعادة بحث إصلاح العملة. وبحسب تقديرات نقلها عضو اللجنة المالية البرلمانية، يوجد نحو 70 تريليون دينار عراقي خارج سيطرة السلطات النقدية من أصل نحو 125 تريليون دينار متداول.
ويعني ذلك أن أكثر من نصف النقد المتداول تقريباً لا يدخل النظام المصرفي الرسمي، حيث يحتفظ ملايين العراقيين بأموالهم في المنازل والخزائن بدلاً من إيداعها في البنوك، نتيجة تراكم سنوات من الحروب والعقوبات والأزمات المصرفية وضعف الثقة بالمؤسسات المالية.
ويرى مؤيدو حذف الأصفار أن استبدال العملة القديمة بأخرى جديدة يمكن أن يدفع أصحاب الأموال المخزنة خارج النظام المصرفي إلى الكشف عنها وإعادتها إلى الدورة الاقتصادية، خصوصاً إذا جرى تحديد فترة زمنية لاستبدال الأوراق النقدية القديمة.
وتحدث وزير الاتصالات العراقي مصطفى سند بصورة أكثر حسمًا عن المشروع، معلناً أن قرار حذف الأصفار وتغيير العملة قد جرى اتخاذه، ومشيراً إلى أن العملية قد تساعد أيضاً في كشف الأموال المخفية خارج النظام المالي.
وقدر سند حجم الأموال النقدية غير المعلنة بنحو ثمانية تريليونات دينار، محذراً من أن عدم إدخال هذه الأموال في عملية استبدال العملة سيعني عملياً فقدان السيطرة عليها.
واقترح تنفيذ المشروع بصورة تدريجية اعتباراً من عام 2027، على أن تستمر المرحلة الانتقالية ثلاث سنوات أو أكثر، بما يسمح بتداول العملتين القديمة والجديدة خلال فترة محددة قبل سحب العملة القديمة نهائياً.
لكن تصريحات سند اصطدمت بنفي رسمي صادر عن المتحدث باسم الحكومة، الذي أكد أن مجلس الوزراء لم يتخذ قراراً بحذف الأصفار، مشيراً إلى أن الملف يدخل ضمن صلاحيات البنك المركزي ويتطلب إجراءات وموافقات رسمية قبل تنفيذه.
ويكشف هذا التباين أن مشروع حذف الأصفار لا يزال في مرحلة الجدل السياسي والاقتصادي، رغم عودته بقوة إلى النقاش العام.
ويرى مؤيدو المشروع أن إزالة الأصفار ستسهل عمليات المحاسبة والدفع وتبسط التعاملات المالية وتعزز الثقة النفسية بالعملة الوطنية، بينما يحذر منتقدون من أن تغيير شكل العملة لن يعالج بمفرده المشكلات الأساسية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي، وعلى رأسها الفساد والدولرة وضعف القطاع المصرفي واعتماد الموازنة شبه الكامل على النفط.
وتبقى التجارب الدولية حاضرة في النقاش، إذ سبق لدول عدة، بينها تركيا والبرازيل وزيمبابوي، أن نفذت عمليات إصلاح نقدي وحذفت أصفاراً من عملاتها، لكن نجاح هذه التجارب ارتبط بمعالجة الاختلالات الاقتصادية الأساسية، لا بمجرد إصدار أوراق نقدية جديدة.















