السعودية نفّذت 8 إعدامات خلال “مهرجان الرياض للكوميديا”

بينما قدّمت الهيئة العامة للترفيه “مهرجان الرياض للكوميديا” (26 سبتمبر–9 أكتوبر) بوصفه نافذة انفتاح ثقافي وتبادلًا مع نجوم المنصّات العالمية، انفجرت موازاةً موجة انتقادات حادّة محليًا ودوليًا بعد تنفيذ السلطات 8 عمليات إعدام خلال أيام المهرجان نفسه بحسب محامٍ سعودي مختص بقضايا الإعدام كتب في مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية.
وقالت المجلة إن المفارقة لم تمرّ بهدوء؛ إذ تحوّل الحدث من حملة علاقات عامّة مُكلفة إلى عدسة مكبّرة تفضح سجلًّا دامغًا في استخدام عقوبة الموت وتقييد التعبير.
ويوضح المحامي طه الحجّي (مستشار “المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان”) أنّ “عدد الإعدامات خلال أيام المهرجان كان ثمانية”، في سياق عام يشهد “قفزة غير مسبوقة” في التنفيذ، بما يجعل الفنّ حدثًا مرافقًا لا يغطي على الأساس: عقوبة تُمضى بمعدلات استثنائية. هذا التزامن غذّى اتهامات بـ”تبييض” السمعة من خلال الترفيه، بدل معالجة جذور الانتهاكات.
موجة غضب من داخل الوسط الكوميدي
لم تصدر الانتقادات عن منظمات حقوقية فقط؛ أسماء بارزة في عالم الكوميديا هاجمت زملاء شاركوا أو دُعوا للمشاركة.
وقد نشر ديفيد كروس بيانًا لاذعًا يصف قبول العروض بأنه “تبرير لإقطاع استبدادي مقابل شيكات ضخمة”، فيما استخدم البريطاني ستيوارت لي عبارات قاسية بحق المشاركين.
ووثقت صحافة بريطانية وأميركية “ردّ فعل عنيفًا” شمل ندم بعض المشاركات واعتراف آخرين بأن الدافع كان ماليًّا صِرفًا.
على الضفة الأخرى، دافع بعض النجوم عن قراراتهم باعتبارها “جسرًا نحو الانفتاح”، لكن مقابلات وبرامج ليلية في الولايات المتحدة أعادت تسليط الضوء على التناقض بين خطاب “الضحك يفتح الأبواب” وواقع القيود على النقد السياسي في المملكة.
عقود “مكبّلة” وتسريبات تُضيّق هامش الكلام
زاد النار اشتعالًا نشر كوميديين ومسارب إعلامية تفاصيل عقود تنصّ على عدم “السخرية” من العائلة الحاكمة والحكومة والدين والقضاء والثقافة—شروطٌ قالت تقارير إنها طُرحت على بعض المدعوين ورفضها آخرون.
كما أشارت تغطيات إلى إزاحة أسماء من الجداول بعد تلميحات ناقدة لقضية جمال خاشقجي. هذه المعطيات صبّت في رواية المنتقدين بأن مساحة التعبير المسموح بها في المهرجان “شكلية”.
وخارج مسرح “الستاند أب”، تُظهر بيانات حديثة قفزةً تاريخية في تنفيذ أحكام الإعدام: تقرير “المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان” أحصى 345 حالة في 2024—أعلى رقم مُسجّل—مع استمرار وتيرة مرتفعة في 2025، بحسب “هيومن رايتس ووتش” وبيانات منظمات متحالفة، وسط مخاوف من غياب ضمانات المحاكمة العادلة وإعدام قُصّر في انتهاك للقانون الدولي.
وقد أصدرت منظمات دولية بيانًا مشتركًا، في اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام (10 أكتوبر)، يدين “التصاعد المُفزع” في المملكة.
فشل “التلميع”… وارتداد الصورة
رأى تحليل صادر عن مركز “كارنيغي” أن رهان “تحسين الصورة عبر الترفيه” ارتدّ على منظميه؛ إذ تحوّل نقاش المهرجان سريعًا إلى مساءلة سياسية وحقوقية، مع دعوات من “هيومن رايتس ووتش” لأن يستغل الفنانون المنصّة للحديث عن السجناء والقيود بدل الاكتفاء بالعروض.
وفي الإعلام الأميركي، بدا المشهد اختبارًا لنفوذ “البراند السعودي” في سوق الترفيه مقابل موجة رفض أخلاقي آخذة في الاتساع.
ويعكس المشهد—بحسب منتقدين—صيغة “عقد اجتماعي” غير مكتوب: حرّيات اجتماعية وترفيه واسع، يقابلهما خطّ أحمر كثيف على النقد السياسي، سواء في القاعات أو على المنصّات الرقمية.
ويقول نقاد إن مأزق المهرجان أنه سلّط الضوء على هذا الخطّ بدل إخفائه: تُفتح المنصّة للضحك، لكن حدود النكتة مرسومة سلفًا؛ تُفتح المدينة للزوار، لكن حريّة الكلمة تُغلق عند الباب. وكان هذا جوهر سيل التعليقات التي رافقت العروض والنقاشات الجانبية.
وكان بعض الكوميديين برّروا المشاركة بـ”مسؤولية تجاه جمهور سعودي شابّ” يطالب بنوع جديد من المحتوى. ويجادل أنصار هذا الطرح بأن كل عرض يعزّز هامش النقاش خطوة صغيرة.
لكن خصومه يردّون بأن “الانفتاح الانتقائي” لا يشرعن تجاهل الانتهاكات، وأنّ أي “تغيير ثقافي” بلا حرية نقد السلطة يظلّ تجميلًا لا إصلاحًا.
أمام هذا التناقض، تبدو معادلة “الفن لتلميع السمعة” خاسرة: كل فعالية كبرى تُستدعى لمساءلة سؤالٍ أبسط وأثقل—ما قيمة الانفتاح إن كان ثمنه إسكات الكلمة، وما جدوى الضحك إذا ظلّ المصير لمن يتجاوزه خلف القضبان… أو على المقصلة؟.















