السعودية تنهي حظراً تجارياً استمر خمس سنوات على الصادرات اللبنانية

أعلنت المملكة العربية السعودية رفع الحظر المفروض على الصادرات اللبنانية إلى أسواقها بعد نحو خمس سنوات من القيود التجارية، في خطوة وصفت بأنها مؤشر جديد على تحسن العلاقات بين الرياض وبيروت بعد سنوات من التوتر السياسي والأزمات الدبلوماسية.
وجاء القرار بتوجيه من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بعد تقييم الرياض لما وصفته بـ”الخطوات الإيجابية” التي اتخذتها الحكومة اللبنانية في مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز التعاون مع المملكة.
وأكدت وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس) أن استئناف استقبال الصادرات اللبنانية جاء بعد جهود مشتركة بين فرق متخصصة من الجانبين خلال العام الماضي، وبعد حصول الرياض على التزامات لبنانية تتعلق بمعالجة الأسباب التي أدت إلى فرض الحظر.
ويمثل القرار دفعة اقتصادية مهمة للبنان الذي يعاني منذ سنوات أزمة مالية حادة وانكماشا اقتصاديا واسعا، إضافة إلى تداعيات المواجهات العسكرية الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، وما خلفته من خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وأعلنت الخطوة خلال اتصال هاتفي بين رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام ووزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، حيث أكد الجانب السعودي دعمه لاستقرار لبنان وتعافي اقتصاده، مع التشديد على أهمية منع استخدام الأراضي اللبنانية للإضرار بأمن دول أخرى.
ورحب الرئيس اللبناني جوزيف عون بالقرار السعودي، معتبرا أنه سيساهم في إنعاش الاقتصاد الوطني ودعم قطاعات إنتاجية واسعة، خصوصا المنتجين والمصدرين الذين تأثروا بشكل مباشر من توقف حركة التجارة مع المملكة.
وكانت السعودية قد قررت عام 2021 وقف استيراد المنتجات الزراعية اللبنانية، خصوصا الفواكه والخضراوات، بعد إعلانها إحباط عمليات تهريب مخدرات عبر شحنات قادمة من لبنان.
وبررت الرياض في ذلك الوقت القرار بتكرار محاولات تهريب مادة الكبتاغون المخدرة داخل بضائع تجارية، الأمر الذي تسبب في أزمة كبيرة لقطاع التصدير اللبناني وخسارة أحد أهم الأسواق الخليجية أمام المنتجات اللبنانية.
وقال خبراء اقتصاديون إن عودة الصادرات إلى السعودية تمنح لبنان “أكسجينا اقتصاديا وسياسيا”، نظرا إلى أهمية السوق السعودية بالنسبة للمنتجين اللبنانيين، وخصوصا العاملين في القطاع الزراعي.
وأوضح الخبير الاقتصادي اللبناني روي بدارو أن قيمة الصادرات اللبنانية إلى السعودية قبل فرض القيود كانت تقدر بنحو 100 مليون دولار سنويا، مشيرا إلى أن جزءا كبيرا من هذه التجارة كان يدعم شرائح واسعة من العمال والمزارعين أصحاب الدخل المحدود.
وأضاف بدارو أن القرار السعودي يعكس تحسنا في مستوى الثقة بين البلدين، معتبرا أن الرياض ترى وجود مؤشرات على تعزيز قدرة الدولة اللبنانية على ضبط المعابر والموانئ ومكافحة عمليات التهريب.
ويرى مراقبون أن القرار يحمل أبعادا سياسية تتجاوز الجانب التجاري، إذ يعكس رغبة سعودية في إعادة الانخراط داخل الساحة اللبنانية بعد سنوات من الابتعاد بسبب الخلافات المرتبطة بنفوذ حزب الله المدعوم من إيران.
وتدهورت العلاقات بين الرياض وبيروت خلال الأعوام الماضية مع تصاعد النفوذ الإيراني في لبنان، ودخول العلاقات الثنائية مرحلة من الجمود السياسي والدبلوماسي.
لكن انتخاب جوزيف عون رئيسا للبنان وتكليف نواف سلام برئاسة الحكومة شكلا بداية مرحلة جديدة من التواصل بين الجانبين، تزامنت مع دعم سعودي للمؤسسات اللبنانية الرسمية ومحاولات تعزيز حضور الدولة.
وكثفت السعودية خلال الفترة الأخيرة اتصالاتها الدبلوماسية مع لبنان، في ظل تغيرات سياسية وأمنية إقليمية، وبعد تراجع قدرات حزب الله نتيجة المواجهات العسكرية مع إسرائيل والضغوط الداخلية المتعلقة بملف السلاح.
ونقلت تقارير عن مصادر لبنانية أن الرياض تلقت ضمانات أمنية ولوجستية قبل اتخاذ قرار رفع الحظر، خصوصا فيما يتعلق بتشديد الرقابة على الصادرات ومنع استغلال طرق التجارة في عمليات غير قانونية.
لكن المصادر أشارت إلى أن قرار استئناف التجارة لا يعني بالضرورة رفع جميع القيود القائمة، خصوصا التحذيرات المتعلقة بسفر المواطنين السعوديين إلى لبنان، والتي ترتبط بتقييمات أمنية منفصلة.
ويعتبر رفع الحظر التجاري أحد أبرز مؤشرات التقارب السعودي اللبناني خلال السنوات الأخيرة، وسط آمال بأن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والاستثماري.
ويرى محللون أن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطا بقدرة الحكومة اللبنانية على تثبيت الإصلاحات وتعزيز سلطة مؤسسات الدولة، إضافة إلى الحفاظ على الثقة الخليجية التي تضررت بفعل سنوات من الأزمات السياسية والأمنية.















