ترامب يرهن مستقبل الحزب الجمهوري مع اقتراب نهاية ولايته وتراجع شعبيته

يتجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع اقتراب نهاية ولايته، إلى اتخاذ قرارات وسياسات طويلة الأمد يُنظر إليها على أنها ترهن مستقبل الحزب الجمهوري، في وقت تتراجع فيه شعبيته إلى أدنى مستوياتها خلال ولايته الثانية، وفق مؤشرات واستطلاعات حديثة.

وقالت وسائل إعلام أمريكية إن ترامب يتصرف سياسياً كما لو أنه لن يواجه الناخبين مجدداً، حيث يدفع الحزب نحو التزامات استراتيجية كبرى تشمل الرسوم الجمركية، والانخراط في الحرب مع إيران، وإعادة رسم الدوائر الانتخابية، وهي رهانات قد يتحمل الحزب الجمهوري تبعاتها لفترة طويلة بعد انتخابات نوفمبر المقبلة.

وفي تطور لافت، أظهر أحدث استطلاع أجرته شبكة فوكس نيوز تقدم الحزب الديمقراطي على الجمهوريين بفارق أربع نقاط مئوية في ملف الاقتصاد، في سابقة تُعد الأولى منذ عام 2010، وهو ما يمثل تحولاً كبيراً في أحد أبرز الملفات التي شكلت تقليدياً نقطة قوة للجمهوريين.

وتبرز ولاية فرجينيا كنموذج واضح لتداعيات سياسات ترامب، حيث تحولت إلى ساحة اختبار لرهانات انتخابية وإدارية توصف بأنها لم تحقق النتائج المرجوة.

فقد مهد استفتاء محلي الطريق لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، في خطوة قد تقلب موازين التمثيل في الكونغرس من تفوق ديمقراطي محدود إلى هيمنة شبه كاملة، وهو ما قد يُفقد الجمهوريين المكاسب التي حققوها سابقاً في ولايات أخرى مثل تكساس.

كما يبرز ملف تقليص الوظائف الحكومية كأحد أبرز آثار سياسات الإدارة، بعد مرور عام على مبادرات خفض الإنفاق التي قادها رجل الأعمال إيلون ماسك، والتي أدت إلى تسريح نحو 300 ألف موظف فيدرالي، تركز معظمهم في فرجينيا. وقد ساهم ذلك في تعزيز حضور الديمقراطيين انتخابياً، ما أتاح تمرير تغييرات سياسية وانتخابية جديدة.

في المقابل، يدافع الجمهوريون عن هذه السياسات، حيث أكدت المتحدثة باسم اللجنة الوطنية الجمهورية كيرستن بيلز أن الديمقراطيين أنفقوا مبالغ ضخمة لتحقيق مكاسب انتخابية محدودة، مشددة على أن الحزب الجمهوري لا يزال موحداً خلف استراتيجية تهدف إلى تحقيق نصر كبير في انتخابات التجديد النصفي.

وعلى صعيد السياسة الخارجية، ألقت الحرب مع إيران بظلال ثقيلة على المشهد السياسي الداخلي، حيث يرى مراقبون أن هذه الحرب ألحقت أضراراً عميقة وربما طويلة الأمد بصورة الحزب الجمهوري.

وقد برزت انقسامات داخل التيار المحافظ، مع تزايد الانتقادات من شخصيات إعلامية بارزة مثل تاكر كارلسون، إلى جانب أصوات أخرى كانت تُعد سابقاً جزءاً من القاعدة الداعمة لترامب.

وتتزامن هذه التطورات مع ارتفاع أسعار الوقود إلى أكثر من أربعة دولارات للغالون، ما زاد من الضغوط الاقتصادية على المواطنين. ووفق استطلاع أجرته رويترز بالتعاون مع إيبسوس، فإن 78% من الناخبين يعتبرون أسعار البنزين مصدر قلق بالغ، فيما يحمل 77% منهم ترامب المسؤولية المباشرة عن هذا الارتفاع.

وكانت المؤشرات الاقتصادية قد بدأت بالتراجع حتى قبل اندلاع الحرب، حيث أبدى الناخبون تململاً متزايداً من سياسات الرسوم الجمركية التي تبنتها الإدارة. فقد روّج ترامب لهذه السياسات باعتبارها أداة لإعادة توطين الصناعة الأمريكية وتعزيز الإيرادات، إلا أن قرارات المحكمة العليا بإلغاء بعض هذه الرسوم، وبدء إجراءات رد مليارات الدولارات، أضعفت من مصداقية هذه الاستراتيجية.

ورد ترامب على تلك القرارات بهجوم حاد على المحكمة العليا، معتبراً أن منع إعادة الأموال كان سيوفر على الحكومة مئات المليارات، في موقف يعكس تصاعد التوتر بين السلطة التنفيذية والمؤسسات القضائية.

في المقابل، يؤكد البيت الأبيض أن سياسات الإدارة حققت نتائج إيجابية، حيث أشار المتحدث كوش ديساي إلى أن إجراءات تقليص الإنفاق خفضت التوظيف الفيدرالي إلى أدنى مستوياته منذ عقود، وساهمت في تقليص العجز التجاري وتحفيز الاستثمارات الصناعية. كما شدد على أن الإدارة تواصل جهودها الدبلوماسية في التعامل مع الملف الإيراني.

ومع ذلك، يرى محللون أن التحدي الأكبر الذي يواجه الحزب الجمهوري لا يقتصر على الانتخابات المقبلة، بل يمتد إلى مستقبل الحزب نفسه.

فوفقاً لتحليل قدمه هاري إنتن من شبكة سي إن إن، فإن نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يُعد أبرز المرشحين لخلافة ترامب، يسجل أدنى مستويات التأييد مقارنة بسابقيه في المنصب خلال الفترة نفسها.

ويشير مراقبون إلى أن سياسات ترامب خلال الأشهر الماضية، والتي كسرت العديد من الأعراف السياسية، قد تؤدي إلى ترسيخ نمط حكم مركزي قوي، قد يرثه خصومه السياسيون في المستقبل ويستخدمونه لصالحهم.

وعليه يبدو أن الحزب الجمهوري يقف أمام مرحلة مفصلية، حيث قد تحدد خيارات ترامب الحالية ليس فقط نتائج الانتخابات المقبلة، بل أيضاً شكل الحزب واتجاهه السياسي لسنوات قادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى