خطط التعاون الاقتصادي بين تركيا والعراق تصطدم بخلافات معقدة

تصطد مخطط التعاون الاقتصادي بين تركيا والعراق بخلافات معقدة وخلافات حادة تعود لسنوات وتراكمت باستمرار رغم المساعي الرسمية للتغلب عليها.
وتناول مركز البيت الخليجي للدراسات والنشر أنه في الفترة ما بين 22 إلى 24 أغسطس المنصرم، قام وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الذي شغل في الماضي منصب رئيس المخابرات التركية بزيارة بغداد وإقليم كردستان العراق.
وكان الهدف المعلن من الزيارة التحضير لزيارة محتملة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى العراق ووضع أساس للانطلاق نحو إيجاد حلّ للقضايا الخلافية بين أنقرة وبغداد، قام فيدان بعدة لقاءات مع الأطياف السياسية العراقية المختلفة، حتّى أنّه التقى بقادة من الحشد الشعبي العراقي، بالرغم أن لا علاقة طيبة تربط بينهم.
تاريخ من الصعود والهبوط
اتسمت العلاقة بين تركيا والعراق دائمًا بعدم الاستقرار، ورغم أنهما يتشاركان أكثر من 300 كيلومتر من الحدود ونهري-دجلة والفرات- وبينهما العديد من القواسم الثقافية والاجتماعية والقضايا الأمنية المشتركة.
إلا أنّ عوامل عدة خلقت لدى النخب السياسية الشيعية في بغداد نوعاً من العدائية تجاه أنقرة ممّا أدّى إلى غياب التعاون بين الطرفين في كثير من القضايا العالقة بينهما.
ومن هذه العوامل: نظرة تركيا الاستعلائية للعراق وعدم نسيان الأتراك معاهدتي-سيفر ولوزان- في الأعوام 1920 و 1923 التي بموجبها ضُمّ إقليم الموصل إلى دولة العراق الحديثة بعد استقطاعه من الإمبراطورية العثمانية، والخطاب التركي القومي المتطرف الذي يظهر من وقت لآخر بانتهاء صلاحية معاهدة لوزان بعد 100 عام من توقيعها.
كذلك دعاوى أحقّية تركيا في محافظة الموصل العراقية بالإضافة إلى التواصل التركي العميق مع النخب السياسية السنية في العراق من بعد عام 2003 وحتى يومنا هذا، وتوثيق العلاقة بين تركيا وحكومة أربيل بإقليم كردستان العراق.
أيضًا، تأثرت العلاقة بين أنقرة وبغداد بالتغييرات السياسية الداخلية لكلا البلدين، فعلى سبيل المثال نشهد دائمًا في الانتخابات الرئاسية التركية خطاباً قومياً متعجرفاً يهدد بتصاعد النظرة القومية المتطرفة تجاه العراق على وجه الخصوص.
أما في العراق، فتوثّر المتغيرات السياسية وعدم الاستقرار السياسي في كثير من الأحيان وكذلك العلاقة المضطربة بين بغداد وأربيل، على العلاقات الثنائية بين تركيا والعراق.
تحدّيات كثيرة
ورغم رغبة البلدين المتكررة بإقامة تحالف استراتيجي وحل الخلافات وإيجاد إطار جدّيّ لتنظيم العلاقة الثنائية، إلا أن هناك الكثير من التحديات والتعقيدات تشكل عبئاً على الطرفين في طريقهما لحل الأزمة.
أولا: النظرة الطائفية تولي تركيا أهمية لعلاقاتها مع الطائفة السنية في العراق وهذا مفهوم بالنظر إلى الروابط التاريخية والأيديولوجية والقرب الجغرافي، بعد عام 2003 حرصت تركيا على دعم السنة العراقيين في المشهد السياسي.
وفي الوقت ذاته، حاولت خلق حالة من التوازن مع رئيس الوزراء العراقي آنذاك، السياسي الشيعي نوري المالكي، لكنّ العلاقة تعثرت معه بسبب سياساته المناهضة للسنة العراقيين واستخدام قانون مكافحة الإرهاب ضد أبرز السياسيين السنة، وتعليق تركيا السلبي على هذا الأمر.
انعكس هذا الخلاف زيادة في دعم واتجاه أنقرة نحو النخب السياسية السنية سواء العرب أو الأكراد، وفي الابتعاد عن النخبة الشيعية الحاكمة.
صحيح أنّ المزاعم الطائفية بين الطرفين أدّت إلى تسريع تدهور العلاقات التركية العراقية، لكنّ أجندة الرئيس أردوغان الجديدة والتي تهدف إلى تقليل الصراعات مع الجيران.
دفعت أنقرة إلى اتخاذ خطوات غير مسبوقة في هذه المسألة، تكللت باجتماع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال زيارته الأخيرة بشخصيات بارزة من الحشد الشعبي، الذي وصفه الرئيس التركي رجب أردوغان في عام 2017 بـ “المنظمة الإرهابية”، ولاقاه فيما بعد تصريحات لبعض قادة الحشد عام 2021، تصف التواجد التركي العسكري داخل العراق بأنه احتلال وأن من حق العراقيين حمل السلاح ضده، والتصريح هنا للقيادي قيس الخزعلي زعيم فصيل عصائب أهل الحق.
من هنا كان لقاء فيدان بقادة الحشد الشعبي مؤشراً على حدوث تغيير في النهج التركي الذي أصبح يركز على الدبلوماسية بدلاً من المواجهة، وخاصة في العراق، كثيرون اعتبروا اللقاء بأنه اعتراف رسمي من أنقرة بالقوة السياسية للجماعات المسلحة الشيعية في العراق، وأنّ لا مجال لأنقرة لتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في العراق إلا بالاعتراف بضرورة إقامة علاقة قوية مع النخب السياسية الشيعية.
ومع ترحيب هذه القوى بنهج أنقرة الجديد، يبقى أن نرى كيف من الممكن أن يتم التعاون بينهما خاصة وأن على رأس أولويات التعاون بين الطرفين هو حزب العمال الكردستاني.
ثانيا: حزب العمال الكردستاني دائما ما كان تواجد حزب العمال الكردستاني المناهض لتركيا في الأراضي العراقية على رأس القضايا الأمنية بين البلدين، وهو ما فتح الباب أمام التواجد العسكري التركي داخل العراق.
وبحسب الحكومة التركية هناك 40 قاعدة عسكرية داخل العراق بالإضافة إلى تنفيذ تركيا مئات الهجمات الصاروخية والهجمات بالطائرات المسيرة داخل العراق تستهدف مقاتلي حزب العمال الكردستاني.
في زيارته، طلب هاكان فيدان من الحكومة العراقية تسمية حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية علانية كشرط تركي لبدء صفحة جديدة لحلّ هذا الصراع الأمني بين الطرفين.
لكن الجماعات المسلحة الشيعية في العراق تربطها علاقة جيدة بحزب العمال الكردستاني وتبرر ذلك بأن مقاتلي الحزب يساعدون في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية لدرايتهم الكبيرة بالسهول والجبال في المناطق الكردية العراقية الحدودية.
والأهم من ذلك، أن الفصائل العراقية وإيران ترى حزب العمال الكردستاني كأداة ضغط على تركيا في كثير من الأحيان، لذلك سيكون من الصعب تفكيك هذه العلاقة إرضاءً لتركيا.
لكن هذا لا يمنع أن الحكومة العراقية تعاونت في كثير من الأحيان مع مخاوف ومطالب أنقرة، فعلى سبيل المثال تدخلت بغداد في السيطرة على مخيم اللاجئين في منطقة مخور الذي يضمّ عدداً كبيراً من مقاتلي حزب العمال الكردستاني لتهدئة المخاوف التركية.
ثالثا: معضلة أربيل لجأت تركيا دائما إلى تقوية علاقتها بالأكراد العراقيين خاصة في حالات الصراع مع حكومة بغداد، بل وساعدت حكومة إقليم كردستان على تصدير نفطها بشكل مستقل عن بغداد ومنافٍ للدستور العراقي.
وبالطبع رحبت حكومة أربيل بهذا الأمر ووسعت علاقتها التجارية والدبلوماسية مع تركيا قدر المستطاع لتحقيق نوع من الاستقلالية عن الحكومة المركزية.
هذه العلاقة الوطيدة بين أربيل وأنقرة ساعدت في ابتعاد بغداد عن تركيا كثيراً.
في مارس الماضي انتزعت بغداد حكم دولي بوقف تصدير أربيل للنفط بشكل مستقل عن طريق خط أنابيب يصل إلى ميناء جيهان التركي.
وطالبت تركيا بالتعويض عن اختراقها لاتفاقية النفط لعام 1973، وحكمت المحكمة الدولية بباريس لبغداد بالحصول على غرامة قدرها 1.3 مليار دولار أمريكي كدفعة أولى من الحكومة التركية.
لكنّ تركيا عاندت ورفضت دفع الغرامة بل وطالبت حكومة أربيل بدفعها بدلا عنها، وأغلقت خط الأنابيب مما عرّض حكومة أربيل والعراق لخسارة تصدير 400 ألف برميل من النفط يومياً.
تستخدم أنقرة الآن بطاقة النفط في محادثتها مع حكومة بغداد للضغط عليها لحلّ أزمة حزب العمال الكردستاني وقضية المياه، وهو ما تراه بغداد عناداً لا يليق، وتراه أربيل في المقابل مأزقاً سوف يقلّل من استقلاليتها في مواجهة حكومة بغداد.
رابعا: قضية المياه بدأت مشكلة المياه بين بغداد وأنقرة منذ الستينات عندما بدأت تركيا في بناء مشروع سدود الأناضول على نهر الفرات فحرمت العراق من حصّته العادلة في مياه النهر.
لكنّ المشكلة تتفاقم حالياً خاصة مع التغيير المناخي وموجة الجفاف التي يتعرّض لها العراق، وبحسب وزارة الموارد المائية العراقية فإن العراق لا يحصل إلا على 30% من حصته من المياه.
لا يبدو أنّ هناك حلّا لهذه القضية في المستقبل القريب، فمن ناحية تركيا، موضوعُ المياه هو أداة ضغط على العراق فيما يخصّ مسألة حزب العمال الكردستاني، أيضاً يُنظر إلى المياه في الداخل التركي على أنها قضية أمن قومي، وبالنسبة للعراق، فإن تعامل الحكومة الهين في هذا الملف لا ينذر بأمل في حل الأزمة.
المسارات المحتملة
لا شكّ أن الزيارات المتبادلة الأخيرة سواء زيارة هاكان فيدان أو رئيس الوزراء العراقي لتركيا في مارس الماضي قد تمهد لإحياء التعاون الكامل والجدي بين البلدين خاصة مع الآمال التي تضعها الحكومة العراقية في مشروع طريق التنمية ورغبة تركيا في تحسين اقتصادها السيئ من خلال المشاركة بهذا المشروع.
لكن من الصعب تخيل حدوث اتفاق كامل على حلّ جميع القضايا الخلافية بين البلدين.
من الممكن مواصلة العمل على حلّ القضايا بشكل منفصل وجزئي دون الإصرار على حلّها جميعها دفعة واحدة، خاصة مع وجود جهات فاعلة إقليمية مثل إيران والولايات المتحدة مما يعقد الأمور أكثر.
من الممكن أن تعمل الحكومة العراقية على تقييد عمل حزب العمال الكردستاني بشكل جزئي مقابل أن تشاركها أنقرة تفاصيل ومواعيد ضرباتها ضد الحزب دون خرق للسيادة العراقية، وذلك سيسهم بالطبع في حلّ أزمة وقف صادرات النفط عبر تركيا.
إذا نجح هذا التعاون الجزئي والضروري في الوقت الحالي، فإنه يمهّد الطريق أمام استكمال حلّ باقي الخلافات، لكن في حال حدث العكس سوف تزداد الأمور توتّراً وهو ما ليس في صالح الطرفين خاصة مع رغبة كليما في توسيع التعاون الاقتصادي لتحسين الاقتصاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن الخليجية