صعود الحركة الدستورية الإسلامية في الكويت

في بلد يتميز بحظر الأحزاب السياسية وضعف المجتمع المدني، نجحت الحركة الدستورية الإسلامية، الجناح السياسي للإخوان المسلمين في الكويت، في إرساء نفسها كأحد أكثر اللاعبين السياسيين تأثيرًا.
تأسست الحركة رسمياً عام 1991، بعد ان عملت منذ الخمسينيات كتجمع من المنظمات الاجتماعية تحت أسماء مختلفة، واستثمرت المجموعة بكثافة في الأنشطة التي استهدفت القاعدة الشعبية لزيادة نفوذها في المجتمع من خلال ذراعها الاجتماعي، جمعية الإصلاح الاجتماعي.
كان هذا الوزن الاجتماعي هو ما ساعد الحركة الدستورية الاسلامية على دخول البرلمان، وتشكيل تحالف كبير مع حركات سياسية اخرى، والتأثير على عملية صنع القوانين.
توازي تأثيرات الحركة الاجتماعية الواسعة النطاق داخل الكويت تلك الخاصة بحزب الله في لبنان أو حماس في فلسطين، الا ان وجود مثل هذا الشبكة الاجتماعية الواسعة في الكويت محير لأن نجاح حماس وحزب الله غالبًا ما يُعزى إلى الحوكمة غير الفعالة في المناطق الفقيرة.
منبع الحيرة يعود الى وجود جزم سخية من الدعم من اجل تحقيق الرفاهية تقدمها الحكومة الكويتية لأجل مواطنيها على عكس نظرائها في جنوب لبنان وقطاع غزة، كما يتميز المجتمع الكويتي بروابط عائلية وقبلية قوية من شأنها أن تقلل نظريًا من الحاجة إلى منظمة اجتماعية.
تحاول هذه المقالة معالجة هذا اللغز عن طريق دراسة الأنشطة الاجتماعية للإخوان المسلمين في الكويت اولًا، وتسليط الضوء على دور التأثيرات الاجتماعية في مساعدة المجموعة على توسيع قاعدة دعمها لتشمل السكان القبليين في الكويت.
لقد تمكنت الحركة الإسلامية في الكويت بشكل فريد من كسب اهتمام السكان خارج العاصمة بالرغم من ان الفروع التابعة لجماعة الاخوان المسلمين في أماكن أخرى من منطقة الشرق الأوسط تكافح من اجل التوسع الى ما هو ابعد من جذب سكان المدن الرئيسية، ليطرح ذلك سؤالًا بشأن مدى فهمنا للقيود والفرص المتاحة للجهات الفاعلة في الكويت.
الأنشطة الاجتماعية
شهدت منطقة الشرق الأوسط في السبعينيات تراجع القوى الليبرالية واليسارية لصالح الحركات الإسلامية.
يعزى تراجع المعارضة الليبرالية في الكويت إلى فشلها في اختراق الحياة الاجتماعية بشكل شامل مثل الجماعات الإسلامية كالإخوان، ويضاف الى ذلك الى وجود اتجاه في الشرق الاوسط نحو ذلك.
استثمرت قيادة جماعة الإخوان المسلمين الكثير من مواردها منذ البداية لتجنيد الكويتيين من خلال الأنشطة الاجتماعية المتعلقة بالصحافة والرياضة والأعمال الخيرية، الى جانب قيامها بنشر مختلف الكتيبات والمنشورات والفيديوهات والمجلات مثل مجلة الحركة ومجلة المجتمع.
كما استثمرت الحركة الدستورية الاسلامية بكثافة في استهداف الشباب والطلاب في الجامعات وخارجها، فقد أخبرني ناشط ليبرالي ذات مرة أنه كان جزءًا، إلى جانب العديد من أصدقائه، من مجموعة من المغنيين الدينيين الشباب قامت جماعة الإخوان برعايتها دون ان يكونوا على دراية بأيديولوجيات المجموعة حتى كبروا في السن.
كما جرى تسهيل استهداف المنظمة للشباب الكويتيين من خلال المراكز التعليمية والجماعات التي أسستها، مثل مراكز الشباب ومركز المروج للشبان والشابات على التوالي، ورعت جماعة الإخوان أيضًا العديد من المؤسسات التعليمية التي تتراوح بين مراكز تحفيظ القرآن ومدرسة الإرشاد الإسلامية، والتي ازدهرت بسرعة.
فقد افتتح أول مركز لتحفيظ القرآن في عام 1968 وضم ثمانية وثمانين طالبًا فقط وبحلول عام 1990، كان هناك حوالي اربعمائة مركز من هذا القبيل مع أكثر من ثمانين الف طالب فيها (المنهج التربوي للحركات الإسلامية المعاصرة واثرها على بنية المجتمع الكويتي لعبد الله العتيقي 2006).
كما سيطرت جماعة الاخوان على الاتحاد الوطني لطلبة الكويت في الكويت والفروع الدولية للاتحاد في مصر والولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
كان الفوز بانتخابات اتحادات الطلبة أمرًا حاسمًا، لأن الاتحاد مارس نفوذًا واسعًا في حياة الطلاب، ففي عام 1981 على سبيل المثال، تمكنت جماعة الإخوان من تعديل دستور الاتحاد ليعكس الأيديولوجيات الإسلامية عن طريق إضافة عبارات مثل: “دور الاتحاد في تأمين مستقبل أفضل [للكويت] على أساس المبادئ الإسلامية”.
وقد عكست مثل هذه الجهود لتوسيع سلطاتها في المجال التعليمي الاعتقاد السائد بين إخوان أن التعليم يلعب دورًا أساسيًا في إصلاح المجتمع ككل.
سيطرت جماعة الإخوان أيضًا على العديد من الأندية الاجتماعية وهيمنت على الجمعيات المهنية مثل جمعية المعلمين، كما سيطر أعضاء جماعة الإخوان على مجموعات خيرية هامة مثل لجنة الزكاة وجمعية الشيخ عبد الله النوري الخيرية.
كانت هذه الأنشطة الخيرية تهدف إلى رعاية الأنشطة الدينية حيث كانت الكويت بالفعل دولة غنية، وشملت أعمال الجمعيات الخيرية دعم الحلقات الدينية في المساجد وتمويل رحلات الحج.
والأهم من ذلك، أن الجمعيات الخيرية فتحت حساباتها وأودعت ملايين الدولارات من التمويل لدى بيت التمويل الكويتي وهو بنك إسلامي كان أعضاء الإخوان يشغلون فيه مواقع هامة في المجالس الاستشارية (الكندري 2014).
من اجل تسهيل جهودها الاجتماعية، قسمت جماعة الاخوان المسلمين مدينة الكويت إلى مناطق إدارية مختلفة، وأنشأت أقسامًا منفصلة لأنواع مختلفة من الأنشطة داخل كل منطقة.
كما نظمت الجماعة عملية طويلة من التدريبات الأيديولوجية والتنظيمية لأعضائها لترسيخ النظام وتوحيد الأهداف الجماعية؛ ونتيجة لذلك، أنتجت المجموعة “جيلًا متماسكًا” من الأعضاء المستقبليين.
وجدت المساهمات الاجتماعية الواسعة لجماعة الإخوان وقدراتها التنظيمية طريقها تدريجياً إلى أنشطتها السياسية، وعلى الرغم من أن المنظمة دعت رسميًا إلى عدم التدخل في المجالات السياسية، إلا أنها، مثل العديد من المنظمات الإسلامية الأخرى، نشرت خطابها السياسي قبل وقت طويل من تأسيس جناحها السياسي رسميًا في عام 1991.
إن الحضور السياسي الاستثنائي للحركة الإسلامية على عكس الدور المتضائل لمنافسيها العلمانيين – يعود في جزء منه لجهودها الموجهة نحو الأنشطة الشعبية التي تبدأ بالشباب.
قال أحد أعضاء الحركة الدستورية الإسلامية حينما سألته كيف وصلت المجموعة الى هذا المستوى العالي من التنظيم مع اهداف منهجية “نحن جميعًا أصدقاء” مضيفًا “لقد كنا نعرف بعضنا البعض منذ فترة طويلة”، وأشار إلى أن الارتباطات الشخصية التي نشأت في سن مبكرة أدت إلى علاقات عمل فعالة بين أعضاء الحركة.
كما أدت سنوات من التفاعل الاجتماعي من تعزيز تماسك المجموعات التابعة للحركة الدستورية وعززت اتجاهها السياسي ايضًا بعكس الجماعات السياسية الأخرى التي تعاني حاليًا من الصراعات الداخلية والافتقار إلى أهداف موحدة.
التفاعل مع المظالم القبلية خارج العاصمة الكويت
سكنت طبقة التجار الحضريين الكويتيين تاريخيًا داخل حدود العاصمة مدينة الكويت، في حين كان البدو أو القبائل يتواجدون إلى حد كبير في مناطق خارج المدينة وفقًا لأسلوب الحياة البدوي، وقد أحدث اكتشاف النفط في عام 1938 تغييرات كبيرة في كلا المجتمعين.
قامت جماعة الإخوان بعمليات التجنيد بكثافة في الجامعات واستقطبت في البداية الكثير من دعمها من الطبقة الوسطى المتعلمة، على غرار الجماعات الإسلامية في فرنسا، لكن المجموعة نجحت تدريجياً في جذب المزيد من الناخبين خارج وسط الكويت الحضري من خلال أنشطتها الاجتماعية.
ويعود ذلك في جزء منه إلى قرار الأسرة الحاكمة في الكويت في دعم الإسلاميين من اجل موازنة المعارضة الليبرالية من جهة واستغلال المظالم الاقتصادية للسكان البدو المهمشين تقليديًا.
رأى أفراد القبائل أن طبقة التجار الحضريين استفادت من معظم الامتيازات الاقتصادية الناشئة عن الثروة النفطية بعد أن أدى اكتشاف النفط إلى خلق نخب اقتصادية جديدة اكتسبت ثروات هائلة من خلال الفوز بعقود حكومية وإقامة علاقات اقتصادية مع الأسرة الحاكمة.
كما حظي الموقف المحافظ اجتماعيًا للحركة الإسلامية التقليدية بشعبية في المناطق التي تهيمن عليها الهويات القبلية، بعد ان شعر العديد من افراد القبائل بالتهديد بسبب الاختفاء الملحوظ للقيم المحافظة في حياة الحضر المتجهة نحو الغرب بسرعة، وهو القلق الذي استغله الإخوان الذين أقاموا علاقات أقوى مع السكان القبليين لكسب دعمهم.
كما ساهم ما عُرف بـ “تصحر” السياسة الكويتية، عبر منح حق التصويت للسكان القبليين، وتراجع القيم الليبرالية على الجبهتين الاجتماعية والسياسية، في صعود تيار الإسلامي السياسي في الكويت.
بحلول الثمانينيات، كانت الحركات الإسلامية والعلمانية في الكويت منقسمة بشدة بشأن القضايا الاجتماعية، وأدى النجاح الانتخابي للتحالف الإسلامي القبلي إلى معارك تشريعية واضحة، حيثُ حاول الإخوان، بالتحالف مع الجماعات السلفية، تعديل المادة الثانية من الدستور بحيث تكون الشريعة هي أساس التشريع، وطالبت أيضًا بتقييد الجنسية الكويتية للمسلمين رغم أنها لم تنجح في تحقيق ذلك أيضًا.
وبالرغم من أن الانقسام الإسلامي العلماني لا ينعكس على المجتمع الكويتي اليوم ككل، إلا أن هذا الانقسام لا يزال صارخا حتى يومنا هذا.
الآفاق المستقبلية للحركة الإسلامية الكويتية
تتمتع جماعة الاخوان المسلمين بشبكات اجتماعية واسعة النطاق وتمثيل سياسي واضح في مجلس الامة، إلا أنها مقيدة من قبل المؤسسات السياسية التي يسيطر عليها النظام.
ومن غير المرجح أن تفوز المجموعة الإسلامية وحدها بأغلبية المقاعد في مجلس الامة كما فعلت نظيرتها في مصر وتونس ذات يوم بسبب النظام الانتخابي القائم في الكويت والقيود المفروضة على الأحزاب السياسية.
كما شهدت علاقة العمل بين الأسرة الحاكمة وجماعة الإخوان المسلمين الكويتية تحولاً كبيراً في السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الحركة الإسلامية جزءاً من كتلة المعارضة الأوسع.
لكن الجماعة لم تكن مستعدة للتشجيع على تغيير النظام أو تحدي حق الأسرة الحاكمة في الحكم بشكل مباشر، بل عملت إلى حد كبير ضمن المؤسسات السياسية القائمة التي تعزز شرعية النظام الحاكم.
قررت الحركة الإسلامية في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 إنهاء مقاطعتها وعادت للمشاركة في الانتخابات التشريعية، ولم يقتصر الأمر على مساهمتهم في المجتمع الكويتي، بل فهموا أيضا أن النظام “الديمقراطي” الذي أقامته السلطات كان آلية حيوية تحقق من خلالها أهدافها الإسلامية
ورداً على ذلك، سمحت السلطات الكويتية للمنظمة بالعمل بحرية إلى حد كبير، وهذا يدل على أن الأسرة الحاكمة لا تنظر إلى جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها تهديدا وجوديا كما فعلت العديد من الأنظمة العربية الأخرى، بل استفاد النظام الأميري في الكويت من دمج مجموعات مثل الحركة الإسلامية في اللعبة السياسية القائمة على استراتيجية “فرق تسد”.
تتناقض علاقة العمل بين الإسلاميين والعائلة الحاكمة في الكويت بشكل حاد مع تلك الموجودة في المغرب، حيث اختارت الاسرة الحاكمة المغربية دعم نفس الأحزاب “الموالية للنظام” لفترة طويلة، بينما اختارت العائلة المالكة الكويتية على عدم الانحياز إلى طرف بعينه لفترة طويلة.
كما وضعت الحركة الإسلامية في بعض الأحيان اجندتها جانبًا وعملت بشكل أوثق مع جماعات غير إسلامية، في مواجهة سقوط جماعة الإخوان المسلمين في مصر وظهور تنظيم الدولة في المنطقة، حيث غيرت الجماعة اتجاه دعوتها من تعديل المادة الثانية من الدستور لتضم تشريع القوانين وفقًا للشريعة، الى تبني إصلاحات أكثر اتساعًا تستهدف إرضاء الجماهير.
فقد نشر عضو الحركة الإسلامية مبارك الدويلة على الموقع الإلكتروني للحركة الإسلامية في عام 2015 أن الحركة تضع جانباً “الاختلافات التقليدية” مع المجموعات الأخرى من أجل مزيد من الإصلاحات، وكان هذا مفاجئاً لأن التعاون بين الجماعات التابعة لجماعة الإخوان المسلمين والجماعات غير الإخوانية أصبح غير شائع على نحو متزايد في الدول العربية الأخرى.
إذا كانت الحركة الدستورية الاسلامية تسعى حقاً إلى إحداث تغييرات سياسية أوسع نطاقاً في نهجها السياسي، فإن حضورها في المجال الاجتماعي سوف يصبح أكثر أهمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن الخليجية