بلومبيرغ: غموض اتفاق واشنطن وطهران قاد حتمًا إلى انهيار الهدنة

أكد تحليل اقتصادي أن مذكرة التفاهم التي توصلت إليها الولايات المتحدة وإيران بعد الحرب الأخيرة كانت محكومة بالفشل منذ لحظة توقيعها، معتبراً أن غموض الاتفاق الذي بنيت عليه الوثيقة جعل انهيارها أمراً شبه حتمي، وأعاد التوتر إلى مضيق هرمز في وقت لم تحقق فيه واشنطن أهدافها العسكرية أو السياسية.
ورأى تحليل لوكالة بلومبيرغ أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء وقف إطلاق النار والتشكيك في جدوى مواصلة المفاوضات لا يعود فقط إلى سلوك القيادة الإيرانية، وإنما إلى طبيعة الاتفاق نفسه، الذي صيغ بطريقة سمحت لكل طرف بتفسير بنوده بما يخدم أهدافه، دون معالجة جوهر الخلافات القائمة.
وأشار إلى أن ترامب وصف قادة إيران بأنهم “يكذبون”، إلا أن الأزمة الحالية في مضيق هرمز تعود، بحسب التحليل، إلى الأسس الهشة التي قامت عليها مذكرة التفاهم، والتي لم تتضمن التزامات واضحة أو آليات قابلة للتنفيذ تضمن استدامة وقف إطلاق النار.
وأوضح أن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد إيران في 28 فبراير لم تنته بالنصر الذي أعلنته واشنطن، كما أن مذكرة التفاهم التي تلتها لم تمثل “استسلاماً غير مشروط” لإيران، بل جاءت كحل مؤقت سمح للطرفين بمتابعة أهدافهما بوسائل مختلفة، مع تجنب كلفة استمرار الحرب وما قد تسببه من اضطرابات للاقتصاد العالمي.
وأضاف أن الغموض الذي أحاط ببنود الوثيقة جعل تبادل الاتهامات بشأن خرقها أمراً متوقعاً، وهو ما بدأ بالفعل بعد أيام قليلة من دخولها حيز التنفيذ، مع تسجيل خروقات متبادلة وعودة الاشتباكات المحدودة.
واعتبر التحليل أن أياً من الطرفين لم يكن يرغب في إعلان انهيار الهدنة بشكل كامل، لأن البديل يتمثل في العودة إلى مواجهة عسكرية واسعة تحمل مخاطر كبيرة على المنطقة وأسواق الطاقة العالمية، مشيراً إلى أن ترامب نفسه أبقى الباب مفتوحاً أمام استئناف المفاوضات، وهو ما يعني ضمناً استمرار شكل من أشكال وقف إطلاق النار.
وأكد أن الظروف التي أفرزت مذكرة التفاهم لم تتغير، وفي مقدمتها عدم نجاح الحملة الجوية الأمريكية الإسرائيلية الممتدة في تحقيق أهدافها الرئيسية، سواء فيما يتعلق بإضعاف إيران بصورة حاسمة أو إعادة مضيق هرمز إلى أوضاع الملاحة الطبيعية التي كانت سائدة قبل الحرب.
وأوضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمكنتا من تنفيذ ضربات مؤثرة شملت اغتيال المرشد الأعلى الإيراني وعدد من كبار مساعديه، وإضعاف البحرية الإيرانية التقليدية، واستنزاف جزء من مخزون الصواريخ، إلا أن هذه العمليات لم تؤد إلى انهيار النظام الإيراني كما كان مأمولاً.
وأشار إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة تمكنت من الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة، فيما احتفظ الجيش الإيراني بقدرات عسكرية تسمح له باستهداف القواعد الأمريكية وحلفاء واشنطن في الخليج، إضافة إلى استمرار امتلاكه وسائل تهديد الملاحة البحرية، من خلال الطائرات المسيّرة والألغام البحرية والزوارق السريعة.
ولفت التحليل إلى أن طهران أعادت بناء إستراتيجية الردع الخاصة بها على أساس السيطرة على مضيق هرمز، معتبرة أن النفوذ على هذا الممر البحري يمثل أداة ردع أهم من العوائد الاقتصادية المباشرة التي يحققها.
واستشهد بتصريحات مستشار كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف، الذي أكد أن أولوية القيادة الإيرانية تتمثل في الاحتفاظ بالسيطرة على المضيق باعتبارها مسألة سيادية وأمنية، حتى لو تطلب الأمر مواصلة المواجهة.
وأضاف أن معضلة مضيق هرمز لا تزال بعيدة عن الحل، لأن دول الخليج وشركاءها التجاريين لا يمكنهم القبول بسيطرة إيران على أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم، في حين تتمسك طهران باعتبار هذه السيطرة جزءاً أساسياً من أمنها القومي ونفوذها الإقليمي.
وأشار إلى أن أي تسوية مستقبلية قد تتطلب ترتيبات دولية جديدة لتنظيم الملاحة في المضيق، شبيهة بالاتفاقيات التي نظمت المرور في مضائق دولية أخرى، إلا أن الظروف السياسية الحالية تجعل التوصل إلى مثل هذا الاتفاق أمراً بالغ الصعوبة.
وأوضح التحليل أن مذكرة التفاهم وفرت فرصة لاختبار قدرة كل من واشنطن وطهران على فرض إرادته في مضيق هرمز، إلا أن نتائج هذا الاختبار لم تحسم ميزان القوة بين الطرفين.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة حاولت الحفاظ على تدفق ناقلات النفط والغاز عبر المسارات الواقعة في الجانب العماني من المضيق، بما في ذلك تشغيل بعض السفن مع إطفاء أجهزة التتبع، غير أن الحرس الثوري الإيراني تمكن من استهداف عدد من تلك الناقلات، ما أكد استمرار قدرته على تهديد الملاحة البحرية.
وخلص التحليل إلى أن العودة إلى مستويات حركة الشحن التي كانت قائمة قبل اندلاع الحرب تبدو غير مرجحة في ظل غياب اتفاق جديد أكثر وضوحاً، يعالج مسألة الأمن في مضيق هرمز بصورة مباشرة، ويضع آليات واضحة تحول دون تكرار الخلافات التي أطاحت بمذكرة التفاهم.
وختم التحليل بأن الأزمة الحالية تكشف أن إنهاء العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة إنهاء أسباب الصراع أو ضمان الاستقرار في أحد أكثر الممرات الإستراتيجية حساسية في العالم.















