كيف نجحت قطر باستغلال المونديال لإعادة رسم السياسة الخليجية؟

منح مونديال قطر 2022 ملايين المشجعين في جميع أنحاء العالم عيدًا مبهجًا لكرة قدم، كما أتيحت الفرصة لأكثر من مليون زائر أجنبي لمشاهدة المباريات داخل ملاعب قطر، فيما حظيت الحكومة القطرية والشعب القطري بالوجود داخل دائرة الضوء على مدى شهر.

وقد تمكن القادة القطريون من تحقيق نجاح مبهر، فما أظهروه لا ينافس فقط أي كأس العالم حاضر في الذاكرة، بل إن قطر حصلت على مكانة وشهرة لم يكن ليوفرها شئ مثل هذه البطولة.

السياسة تسود

خارج الملعب، ظهرت السياسة في كافة الزوايا المحيطة بالبطولة، حتى إنها تفوقت على المباريات نفسها؛ فقد استضافت الدوحة العشرات من القادة الذين التقوا لمناقشة العلاقات الدولية، وكانت الاجتماعات بين بعض قادة منطقة الخليج ملحوظة بشكل خاص.

ولم يكن العداء الذي تفاقم بين قادة الخليج خافيًا على أحد، فقد تجلى في حصار قطر من قبل السعودية والإمارات والبحرين ومصر والذي بدأ في يونيو/حزيران 2017 واستمر لمدة 3 سنوات ونصف. ومع ذلك، قدمت الكويت وعُمان وتركيا وإيران دعما كبيرا لقطر للتغلب على الحصار وكسره في النهاية.

وفي حين تحسنت العلاقات بين قطر وجيرانها بشكل كبير بعد توقيع اتفاقية العلا في يناير/كانون الثاني 2021، فإن وتيرة التطبيع الدبلوماسي تسارعت بشكل كبير خلال كأس العالم.

فقد حضر كل من ولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان” والرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” وحاكم دبي الشيخ “محمد بن راشد آل مكتوم” والرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” في حفل افتتاح البطولة إلى جانب 22 من قادة العالم الآخرين. وأرسلت العديد من الدول التي لم يتمكن رؤساؤها من الحضور ممثلين على المستوى الوزاري.

ومن اللافت أن بعض خصوم قطر السابقين انفتحوا على الدوحة بشكل أسرع من غيرهم، ومن الملحوظ أن ملك البحرين كان الحاكم الوحيد ضمن الرباعي الذي لم يزر الدوحة قبل كأس العالم. ويتفق المحللون على أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قد تحسنت أبطأ من غيرها.

من ناحية أخرى، بذل ولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان” قصارى جهده لتخفيف التوترات السابقة، فيما حرص أمير قطر الشيخ “تميم بن حمد آل ثاني” على إرسال إشارة إيجابية من خلال حمل العلم السعودي ولفه حول رقبته خلال مباراة السعودية مع الأرجنتين.

وبالرغم أن هذه الإيماءة الرمزية تبدو صغيرة في الوقت الحالي، إلا إنها تغدو جديرة بالملاحظة بالنظر إلى الصدع الذي قسم البلدين لفترة طويلة.

وقام رئيس الإمارات “محمد بن زايد” بزيارة مفاجئة إلى قطر في 5 ديسمبر/كانون الأول، وذلك للمرة الأولى منذ رفع الحصار. ونظرًا لأن الإمارات كانت القوة الدافعة خلف الحصار في عام 2017، فقد كانت زيارته مهمة بشكل خاص لتطبيع العلاقات.

وبالرغم أن قطر هي البلد المضيف لبطولة 2022، إلا أن الإمارات استفادت بشكل كبير، وذلك بفضل القرب والبنية التحتية السياحية. وتشير التقديرات إلى أن دبي وحدها استضافت مليون سائح إضافي خلال هذا الحدث. علاوة على ذلك، أقامت بعض المنتخبات معسكرات التدريب ما قبل البطولة إما في أبوظبي أو دبي.

وكان من بين الزائرين أيضًا الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي”، الذي انضمت بلاده إلى الحصار في عام 2017. وقد تحسنت العلاقات بين قطر ومصر بسرعة بعد اتفاقية العلا، وكان تعزيز العلاقات الاقتصادية أسرع من التقارب السياسي. وزار “السيسي” قطر في سبتمبر/أيلول الماضي قبل حضور حفل افتتاح كأس العالم.

وعلى هامش حفل افتتاح المونديال، سعى الرئيس المصري إلى تعزيز العلاقات مع الدوحة والتقى الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، ويمكن القول إن البطولة خلقت فرصة مناسبة لهذا اللقاء، فبدونها كان من الصعب تخيل رؤية الرئيسين المصري والتركي يتصافحان.

ومن المتوقع أن يعيد كلا البلدين إرسال سفرائهما قريبًا من أجل الاستفادة من الزخم الإيجابي. وبالطبع، لا ينبغي التقليل من دور وساطة قطر، حيث سعت الدوحة منذ فترة طويلة إلى استعادة العلاقات بين تركيا ومصر، وقد وفرت بطولة كأس العالم هذه المناسبة للقيام بذلك فحسب.

العقبات المحتملة

ومع ذلك، فإن المظالم البعيدة التي أدت إلى حصار 2017 ما تزال مستمرة اليوم. وعلى سبيل المثال، لم تتغير سياسات قطر وتركيا الخارجية تجاه المنطقة، وإذا استمرت الدوحة وأنقرة في دعم جماعة “الإخوان المسلمين”، فقد تتمزق العلاقات الإقليمية مرة أخرى.

في الوقت الحالي، من المرجح أن تتجنب جميع الأطراف استعداء بعضها البعض دون تغيير مواقفها بشأن هذه القضايا الجوهرية،. وقد تم التنبيه بهدوء على وسائل الإعلام التي تديرها الدول والتي كانت ذات يوم بمثابة أبواق لنشر البروباجاندا المعادية، بأن تتجنب تغطيتها عرقلة التقدم نحو التطبيع الدبلوماسي.

ويبقى أن نرى إلى متى ستدوم هذه الإنفراجة، وما إن كان لها أساس قوي للاستمرار في المستقبل، ونظرًا لأن الانتفاضات الشعبية ضد الأنظمة الاستبدادية غير متوقعة في المستقبل القريب، فقد تعزز تركيا وقطر جهودهما للتوفيق بين الأحزاب الإسلامية والأنظمة العربية.

ويرى بعض الخبراء الأتراك أن جماعة “الإخوان المسلمين”، التي تنظر إليها الأنظمة الاستبدادية على أنها مصدر الانتفاضات، قد تستفيد من تهدئة التصعيد مع القادة والحكومات الإقليمية.

وتشير أحد الاقتراحات إلى أن الدبلوماسيين القطريين والأتراك قد يتوسطون حتى بين جماعة “الإخوان المسلمين” وحكومة “السيسي” لخلق نفس الظروف الاجتماعية والسياسية التي كانت موجودة خلال حكومة “أنور السادات”. (على عكس “عبد الناصر”، صنع “السادات” السلام مع جماعة “الإخوان”، وحافظ الطرفان على مستوى معين من الاحترام تجاه بعضهم البعض).

بشكل عام، يمكن القول إن مونديال 2022 كان محطة مهمة باتجاه تحسين العلاقات بين دول منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل أوسع.

وما تزال النزاعات البارزة مجمدة، ولا يبدو أن أي بلد يسعى لإذابة هذا الجليد عنها، وتشير الجولة الأخيرة من المصافحات في الدوحة إلى أن الانفراجات ليست ممكنة فحسب، بل مستحبة أحيانًا، حتى لو استمرت الانقسامات بين الأطراف المختلفة.

المصدر| منتدى الخليج

ترجمة الخليج الجديد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن الخليجية