يديعوت أحرونوت: مصر تسعى لتثبيت موقعها في غزة وإقصاء قطر وتركيا من المشهد

قالت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية إن دخول فريق مصري إلى قطاع غزة يمثّل لحظة مفصلية في إبراز الدور المصري كوسيط أساسي في اتفاق وقف إطلاق النار، ويكشف في الوقت نفسه عن طموحات القاهرة الأوسع لتأكيد نفوذها في مرحلة ما بعد الحرب، على حساب قطر وتركيا.
ووفقًا لتقارير إسرائيلية نُشرت السبت، دخل فريق مصري مزوّد بمعدات متقدمة إلى غزة بعد أن سلّمت تل أبيب للسلطات المصرية إحداثيات يُعتقد أنها تحتوي على رفات رهائن إسرائيليين.
ونقلت قناة القاهرة الإخبارية الرسمية عن مصادر مصرية قولها إن “مصر ستقدّم دعمًا لوجستيًا وتقنيًا للمساعدة في العثور على جثث الرهائن نظرًا لحجم الدمار الكبير في القطاع”.
وترى الصحيفة أن إرسال القاهرة هذا الفريق، رغم عدم النص عليه في اتفاق وقف إطلاق النار، يُظهر حرص مصر على فرض وجودها في تنفيذ الاتفاق، والحفاظ على مكانتها التاريخية كقوة دبلوماسية مركزية في العالم العربي.
وشارك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قمة السلام التي استضافتها مدينة شرم الشيخ في الثالث عشر من أكتوبر، إلى جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وكان منخرطًا بشكل مباشر في جهود الوساطة طيلة فترة الحرب.
وتوضح يديعوت أحرونوت أن القاهرة، رغم غياب أي بند في الاتفاق يسمح بانتشار قوات مصرية على الأرض، قررت التحرك خشية أن يؤدي التأخير في استعادة الجثث إلى تعطيل تنفيذ الاتفاق أو منح الجماعات المسلحة ذريعة لعرقلة التقدّم.
كما وافقت إسرائيل على دخول الفريق المصري بعدما رفضت طلبًا مماثلًا من تركيا، في إشارة إلى الثقة التي توليها لمصر، وإلى حدود الدور التركي في القطاع.
وتعتبر الصحيفة أن توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في شرم الشيخ شكّل إنجازًا دبلوماسيًا لمصر، التي باتت تتحرك على مسارين متوازيين:
الأول يتعلق بترسيخ دورها كوسيط رئيسي من خلال استضافة المباحثات الخاصة بتطبيق الاتفاق ودفع المرحلة الثانية منه، حيث تؤكد القاهرة باستمرار على “أهمية تثبيت وقف إطلاق النار لضمان الاستقرار الإقليمي”.
أما المسار الثاني فيركّز على التحضير لمرحلة “اليوم التالي” في غزة، بما في ذلك التفاهمات الفلسطينية الداخلية التي ستحدّد شكل الإدارة بعد الحرب.
ونقلت القناة المصرية الرسمية عن مصادر قولها إن القاهرة تستضيف بالفعل جولات حوار بين الفصائل الفلسطينية، بهدف تحقيق توافق حول المرحلة المقبلة في إطار الخطة التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وفي هذا السياق، عقد وفد من حركة حماس برئاسة خليل الحية اجتماعًا في القاهرة مع وفد من حركة فتح برئاسة نائب رئيس السلطة الفلسطينية حسين الشيخ، بمشاركة رئيس جهاز المخابرات العامة الفلسطينية ماجد فرج.
وتركّزت المحادثات على الترتيبات السياسية والإدارية لما بعد الحرب، رغم أن حماس – المصنّفة كمنظمة إرهابية – لا يُتوقّع أن تكون جزءًا من الحكومة المقبلة في غزة.
كما التقى رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد كلا من حسين الشيخ وجميل مزهر من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ضمن جهود مصرية أوسع للتوصل إلى توافق فلسطيني حول خطة ترامب، بحسب ما نقلته قناة العربية، التي أفادت بأن الفصائل الفلسطينية اتفقت في القاهرة على “إعادة ترتيب البيت الفلسطيني”، وأصدرت لاحقًا بيانًا مشتركًا لخّص أبرز التفاهمات.
ويشير التقرير إلى أن بروز الدور المصري يأتي في وقت تتزايد فيه الانتقادات بشأن تأخّر مرور المساعدات الإنسانية عبر معبر رفح، إذ تصر القاهرة على أن التنسيق مع إسرائيل والمنظمات الدولية ضروري لمنع وصول الإمدادات إلى حماس.
ونقلت صحيفة الأخبار اللبنانية عن مصادر مصرية قولها إن القاهرة تدعم اقتراحًا بإنشاء قوة دولية مؤقتة في غزة بموجب قرار من مجلس الأمن، تكون تحت إشراف مصري مباشر، مع ضمان ألا يتجاوز وجودها الطابع المؤقت.
وأضافت المصادر أن مصر تسعى أيضًا إلى إعادة تفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية لقيادة المفاوضات المستقبلية باسم الفلسطينيين.
وترى يديعوت أحرونوت أن استراتيجية القاهرة تمزج بين الاعتبارات الدبلوماسية والمصالح الوطنية، إذ تسعى مصر إلى منع تجدّد القتال الذي قد يهدّد أمنها الداخلي ويزيد أعباءها الاقتصادية، خاصة في ظل تراجع عائدات قناة السويس وتنامي الضغوط المعيشية.
ورغم الانتقادات، تواصل القاهرة السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وتعتبر الرقابة الصارمة على المعبر جزءًا من حماية أمنها القومي. كما بدأت استعداداتها لعقد مؤتمر لإعادة إعمار القطاع، حيث أعلن الرئيس السيسي أن المؤتمر سيُعقد الشهر المقبل، ودعا إلى مشاركة شعبية واسعة في تمويل جهود الإعمار.
وفي موازاة ذلك، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي محادثات مع نظيره التركي هاكان فيدان، مؤكّدًا أن مصر ترحّب بمشاركة تركية في المؤتمر، رغم سعيها الواضح إلى الحد من النفوذ السياسي لأنقرة في العملية.
وتخلص الصحيفة إلى أن القاهرة ترسّخ موقعها كوسيط لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص غزة والمنطقة بعد الحرب، من خلال دورها في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وقيادتها لمحادثات المصالحة الفلسطينية، وسعيها لإدارة المراحل المقبلة من العملية السياسية.
وبينما يشكّل البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين مهمة إنسانية بحتة، فإنها في الوقت نفسه تعبّر عن رسالة سياسية واضحة: مصر – وليس قطر أو تركيا – هي التي تمسك اليوم بخيوط مستقبل غزة وتعمل على استعادة دورها كقوة عربية مركزية في المنطقة.















