الجزائر تستعد لانتخابات برلمانية وسط توقعات محدودة بتغيير جذري

تستعد الجزائر لإجراء انتخابات برلمانية جديدة وسط أجواء سياسية معقدة وتوقعات محدودة بإمكانية إحداث تغيير جذري، بعد سنوات من احتجاجات الحراك الشعبي المؤيد للديمقراطية التي أطاحت بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، لكنها لم تنجح في تحقيق التحول السياسي الذي طالب به المحتجون.

ويتوجه الجزائريون في الثاني من يوليو لاختيار 407 أعضاء في المجلس الشعبي الوطني لولاية تستمر خمس سنوات، في انتخابات تراهن عليها السلطات لإظهار عودة الحياة السياسية إلى مسارها الطبيعي، بينما ترى أطراف معارضة ومراقبون أن المشهد لا يزال محكوماً بقيود تحد من فرص المنافسة الحقيقية.

وتأتي الانتخابات بعد تجربة اقتراع عام 2021 التي سجلت مستوى قياسياً من العزوف، إذ شارك 23% فقط من الناخبين المؤهلين وفق الأرقام الرسمية، في وقت قاطعت فيه معظم أحزاب المعارضة العملية الانتخابية.

ويعد رفع نسبة المشاركة أحد أبرز التحديات أمام السلطات الجزائرية، التي تسعى إلى تجاوز تداعيات مرحلة الحراك واستعادة الثقة في المؤسسات المنتخبة.

وقال مسؤول جزائري إن تجاوز المشاركة حاجز 35% سيُعتبر مؤشراً على “التطبيع السياسي” بعد اضطرابات الحراك، بينما ستكون نسبة تقل عن 20% بمثابة رسالة رفض قوية.

غير أن المهمة تبدو صعبة في ظل النظرة المنتشرة داخل الجزائر إلى البرلمان باعتباره مؤسسة محدودة التأثير ولا تملك استقلالية كبيرة عن السلطة التنفيذية، ما أدى إلى تراجع الاهتمام الشعبي بالانتخابات التشريعية خلال السنوات الأخيرة.

وقال الصحفي الجزائري علي بوخلف إن النظام يسعى من خلال الانتخابات التشريعية إلى تقديم صورة دولة ديمقراطية تعددية، معتبراً أن السلطة تراهن على نسبة مشاركة مقبولة لإضفاء الشرعية على عملية انتخابية يرى منتقدون أنها تميل لصالح الأحزاب القريبة من الحكم.

وتاريخياً، هيمنت الأحزاب المرتبطة بالمؤسسة الحاكمة على البرلمان الجزائري منذ اعتماد التعددية السياسية. وتتصدر جبهة التحرير الوطني المشهد الحالي بـ105 مقاعد من أصل 407، يليها حزب حركة مجتمع السلم بـ64 مقعداً، ثم التجمع الوطني الديمقراطي بـ57 مقعداً.

لكن الانتخابات المقبلة تأتي في ظل انتقادات متزايدة بشأن تشديد السيطرة على الحياة السياسية، بعد اعتماد سلسلة قوانين يقول معارضون إنها عززت صلاحيات السلطة التنفيذية وضيقت المجال أمام المنافسة.

وقال الباحث ناصر جابي، أستاذ علم الاجتماع السابق في جامعة الجزائر، إن المواطن العادي فقد اهتمامه بهذا النوع من الانتخابات منذ فترة طويلة، مشيراً إلى أن هذا الاتجاه ازداد بعد نهاية احتجاجات الحراك.

وأضاف أن المشكلة أصبحت أكثر وضوحاً بسبب خضوع المؤسسة التشريعية لنفوذ السلطة التنفيذية بشكل كبير.

وفي محاولة لكسر حالة الجمود، قررت عدة أحزاب معارضة العودة إلى السباق الانتخابي بعد مقاطعة انتخابات 2021، ومن بينها جبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية.

لكن هذه العودة لا تعني انتهاء الخلاف مع النظام السياسي، إذ تؤكد تلك الأحزاب أنها تشارك رغم تحفظاتها على المناخ العام.

وقال رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية أتمان مزوز إن الانتخابات تجري في سياق “انغلاق سياسي مستمر”، لكنه اعتبر أن ترك الساحة فارغة يمنح المجال للقوى التي تحافظ على الممارسات الاستبدادية والزبائنية.

وأوضح أن المشاركة لا تعني تأييد العملية، بل محاولة تحديها من الداخل ومنح صوت للتطلعات الديمقراطية التي ظهرت خلال السنوات الماضية.

من جانبه، قال نائب رئيس حزب جيل جديد المعارض زهير رويس إن المشكلة الأساسية تكمن في بيئة سياسية لا تزال غير منفتحة بما يكفي، بسبب ضعف مساحات النقاش وقنوات التعبير واستمرار حالة عدم الثقة.

كما أشار نواب من حركة مجتمع السلم إلى وجود قيود وضغوط تنظيمية وسياسية تواجه قوى المعارضة، رغم استمرار مشاركتها في العملية الانتخابية.

وتصاعدت المخاوف بعد إقرار ثلاثة قوانين جديدة قبل الانتخابات اعتبرتها المعارضة خطوة إضافية نحو تعزيز سيطرة الدولة على الحياة السياسية.

ففي مارس، تم اعتماد قانون جديد للأحزاب السياسية شدد قواعد إنشاء الأحزاب وعملها، وحدد شروطاً إضافية مرتبطة بالتمثيل والمشاركة.

كما أدى تعديل قانوني آخر إلى تقليص صلاحيات الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات، التي تأسست بعد الحراك بهدف إبعاد إدارة الانتخابات عن وزارة الداخلية، قبل أن تعود صلاحيات رئيسية مجدداً إلى الإدارة الحكومية.

وفي أبريل، تم تمرير إصلاح انتخابي قالت السلطات إنه تحديث فني، بينما اعتبره منتقدون تعزيزاً إضافياً لنفوذ الرئيس عبد المجيد تبون والإدارة داخل العملية الانتخابية.

وقال الصحفي والباحث لاشيموت عمار إن النظام الجزائري منذ بداية التعددية السياسية وضع قواعد تحدد حدود المشهد السياسي، مشيراً إلى أن هامش التنوع داخل البرلمان يبقى مضبوطاً دون تغيير حقيقي في ميزان القوى.

وأضاف أنه لا يتوقع حدوث اضطراب جوهري في النفوذ داخل النظام السياسي، خصوصاً مع عودة الإدارة إلى دور مباشر في متابعة العملية الانتخابية.

وخلال مرحلة التحضير للاقتراع، اشتكت أحزاب معارضة من عراقيل إدارية ورفض عدد كبير من الترشيحات، بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية استبعاد 3174 مرشحاً من أصل أكثر من 10 آلاف.

واتهمت قوى معارضة السلطات باستخدام قيود إدارية للحد من قدرة الأحزاب المستقلة على المنافسة، بينما ترى الحكومة أن الإجراءات تهدف إلى تنظيم العملية السياسية وضمان الالتزام بالقوانين.

وبين عودة المعارضة إلى صناديق الاقتراع واستمرار القيود السياسية، تدخل الجزائر انتخابات جديدة وسط سؤال رئيسي بشأن قدرة العملية الانتخابية على استعادة ثقة المواطنين، أم أنها ستعيد إنتاج التوازنات ذاتها داخل النظام السياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى