الفورين بوليسي تكشف: دول إقليمية ودولية تزوّد أطراف الصراع السوداني بالأسلحة

نشرت مجلة فورين بوليسي تقريراً موسعاً تناولت فيه خريطة إمدادات السلاح إلى السودان منذ اندلاع الحرب الأهلية في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية (SAF) بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع (RSF) بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي).

وأكد التقرير أن الصراع الذي دخل عامه الثالث شهد تدخلاً إقليميًا ودوليًا واسعًا عبر قنوات تسليح وتمويل متعددة، كثيرٌ منها جرى في خرقٍ لحظر السلاح المفروض من مجلس الأمن على دارفور، والذي تم تمديده حتى سبتمبر 2025.

وبحسب المجلة، فإن تدفق الأسلحة من الخارج كان عاملاً حاسمًا في إطالة أمد الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية، مع استمرار عمليات القتل الجماعي والنزوح الواسع.

وأشارت إلى أن العديد من الحكومات المتهمة تزعم عدم تورطها المباشر، بينما تمر الإمدادات عادةً عبر وسطاء في دول مثل تشاد، وليبيا، وجنوب السودان، وأوغندا، وجمهورية إفريقيا الوسطى.

الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع (RSF)

تُعدّ قوات الدعم السريع، وفق التقرير، واحدة من أكثر الفصائل المسلحة تسليحًا في إفريقيا اليوم، وقد تلقت دعماً واسعاً مكّنها من السيطرة على مساحات واسعة من دارفور وأجزاء من الخرطوم.

الإمارات العربية المتحدة برزت في مقدمة المورّدين المشتبه بهم، إذ أشار التقرير إلى أن أبوظبي أمدّت قوات الدعم السريع بطائرات مسيّرة متقدمة من طرازات صينية مثل Norinco وWing Loong II، إضافة إلى ذخائر وقذائف حرارية وبنادق مضادة للمعدات، فضلاً عن الدعم اللوجستي.

وغالبًا ما تُخفى هذه الإمدادات في شكل مساعدات إنسانية تُنقل عبر مطار أم جرس في تشاد، أو ميناء بوصاصو في الصومال، أو عبر الأراضي الليبية والأوغندية.

كما موّلت الإمارات – بحسب ما نقلته المجلة عن تقارير استخباراتية وأممية – مرتزقة من كولومبيا ودول أخرى للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع، في مقابل حصولها على امتيازات تتعلق بتجارة الذهب السوداني.

ورغم نفي الحكومة الإماراتية هذه الاتهامات، إلا أن صور الأقمار الصناعية ووثائق الأمم المتحدة وتحقيقات إعلامية متعددة دعمت هذه المزاعم.

وفي ليبيا، لعبت قوات خليفة حفتر دوراً في إيصال الأسلحة إلى الدعم السريع عبر معابر حدودية وجسور جوية، وبالتنسيق مع مجموعة فاغنر الروسية.

أما روسيا، فكانت – وفق فورين بوليسي – من أبرز الداعمين العسكريين للدعم السريع خلال عامي 2023 و2024 عبر شركة فاغنر، التي زوّدته بصواريخ أرض-جو ومدفعية وتدريبات عسكرية مقابل امتيازات تعدين ذهب. وتم نقل هذه الإمدادات عبر مسارات غير رسمية من سوريا وليبيا وتشاد.

غير أن موسكو غيّرت موقفها لاحقاً وبدأت تميل إلى دعم الجيش السوداني أواخر عام 2024، فيما تتهمها واشنطن بتمويل الطرفين في مراحل مختلفة من النزاع.

وذكرت المجلة أن إثيوبيا قدّمت في بداية الحرب دعماً لوجستياً وعسكرياً محدوداً لقوات الدعم السريع بهدف موازنة النفوذ المصري في المنطقة، قبل أن تتبنى سياسة الحياد منتصف 2024.

كما أشارت إلى أن معدات عسكرية بريطانية الصنع – من إنتاج شركة Babcock – وُجدت في مواقع تابعة لقوات الدعم السريع، يُعتقد أنها بيعت أولاً للإمارات ثم نُقلت إلى السودان، وهو ما يشير إلى خرق غير مباشر للحظر الأممي، رغم غياب أي اتهامات رسمية للحكومة البريطانية.

الإمدادات إلى القوات المسلحة السودانية (SAF)

في المقابل، تمكن الجيش السوداني من استعادة زمام المبادرة ميدانياً بفضل سلسلة من الإمدادات العسكرية من حلفاء إقليميين ودوليين.

وأكدت فورين بوليسي أن إيران لعبت الدور الأبرز في دعم القوات المسلحة منذ ديسمبر 2023، إذ زوّدتها بطائرات مسيّرة من طراز مهاجر 6 وأنظمة مراقبة وذخائر ومعلومات استخباراتية، ما ساعد الجيش على استعادة أم درمان وصدّ هجمات الدعم السريع.

وتشير تقارير غربية إلى أن طهران تسعى مقابل هذا الدعم إلى إنشاء قاعدة بحرية على البحر الأحمر قرب بورتسودان، رغم النفي الإيراني الرسمي.

أما مصر، فقدّمت دعماً عسكرياً مباشراً للجيش السوداني شمل طائرات ميغ-29، وطيارين مصريين، وتبادل معلومات استخباراتية، وتدريبات مشتركة، وذلك بهدف مواجهة النفوذ الإماراتي في السودان وحماية المصالح المائية المصرية في حوض النيل.

وبحسب التقرير، زوّدت تركيا السودان بأسلحة بلغت قيمتها نحو 120 مليون دولار خلال عام 2023، تضمنت طائرات مسيّرة من طراز بيرقدار TB2 ومحطات تحكم أرضية، إضافة إلى رؤوس حربية من شركات دفاع تركية. وتنفي أنقرة بيع أي أسلحة لقوات الدعم السريع رغم وجود تقارير عن اتصالات محدودة معها.

أما السعودية، فقدّمت دعماً مالياً ولوجستياً للجيش السوداني لموازنة النفوذ الإماراتي، وضمان استمرار مشاركة القوات السودانية في التحالف العسكري باليمن. وتؤكد الرياض أنها لم ترسل أي شحنات سلاح مباشرة إلى السودان.

كما أشار التقرير إلى أن روسيا نقلت دعمها تدريجياً من قوات الدعم السريع إلى الجيش السوداني منتصف 2024، في إطار تفاهمات حول إنشاء قاعدة بحرية روسية في بورتسودان وتبادل صفقات تسليح.

أما إريتريا، فدعمت القوات الحكومية السودانية على طول الحدود الشرقية، وهو ما أكده البرهان خلال زيارته لأسمرة في عام 2024.

إمدادات تصل إلى الطرفين

وخلص تقرير فورين بوليسي إلى أن بعض الدول زوّدت الطرفين بالسلاح بشكل مباشر أو غير مباشر. فقد عُثر على أسلحة صينية الصنع – بينها قذائف هاون وبنادق ومُعطِّلات طائرات مسيّرة – لدى كلٍّ من الجيش والدعم السريع، في مخالفة واضحة للحظر الدولي، بينما تحافظ بكين على موقف “الحياد” الرسمي حفاظاً على مصالحها الاقتصادية في السودان.

كما أشار التقرير إلى أن بعض الطائرات المسيّرة الإيرانية تم العثور عليها لدى الطرفين، رغم أن الدعم الإيراني الرئيسي يتجه نحو الجيش السوداني. كذلك كشفت منظمة العفو الدولية عن وجود أسلحة تركية لدى الجانبين.

واختتمت فورين بوليسي تقريرها بالقول إن استمرار تدفق السلاح إلى السودان من مصادر متعددة يعقّد فرص التوصل إلى تسوية سياسية، ويُبقي البلاد رهينة لمصالح خارجية متضاربة، وسط تدهور إنساني متسارع يهدد بانهيار شامل للدولة ما لم يُفرض تطبيق فعلي وشامل لحظر السلاح الدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى