فورين أفيرز: المخاطر الحقيقية للخلاف المتصاعد بين السعودية والإمارات

كشفت مجلة فورين أفيرز الأميركية، في مقال رأي للخبير الأميركي جوناثان بانيكوف، عن أن الخلاف بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات لم يعد محصورًا في تباينات عابرة، بل تحوّل إلى تنافس استراتيجي عميق ستكون له انعكاسات مباشرة على شكل الخليج والشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
وبحسب المجلة، فإن التوتر بين الرياض وأبوظبي تصاعد تدريجيًا خلال العام الماضي، على خلفية تباينات في ملفات إقليمية عدة، أبرزها اليمن، قبل أن يطفو الخلاف إلى العلن مطلع العام الجاري، عندما اتهمت وسائل إعلام سعودية الإمارات بـ«الاستثمار في الفوضى» في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي، والعمل كأداة لإسرائيل في المنطقة، في حين امتنعت أبوظبي عن الرد العلني.
وترى فورين أفيرز أن هذا السجال الإعلامي لا يمثل سوى جزء صغير من صراع أوسع، إذ تخوض الدولتان تنافسًا متزايدًا على النفوذ الاقتصادي والسياسي والأمني، بعد أن تحولت العلاقة من شراكة وثيقة إلى خصومة غير معلنة، يرتبط جوهرها، وفق الكاتب، بالطموحات التي تفرضها «رؤية السعودية 2030».
وأوضح المقال أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يسعى، عبر رؤيته الاقتصادية، إلى تحويل المملكة إلى مركز إقليمي للتمويل والسياحة والتجارة، وهو ما يفرض بالضرورة تحدّي المكانة التي بنتها الإمارات، خصوصًا في دبي وأبوظبي، على مدى عقود. وتشير المجلة إلى أن هذا النوع من الإزاحة الاقتصادية ليس جديدًا في الخليج، إذ سبق للإمارات أن حلّت محل البحرين بوصفها المركز التجاري الأبرز في المنطقة.
وأكد بانيكوف أن احتمالات تحوّل هذا الخلاف إلى مواجهة عسكرية مباشرة تبقى ضعيفة، إلا أن الصراع الاقتصادي بين البلدين داخل المنطقة، إلى جانب المواجهات غير المباشرة في ساحات إقليمية، مرشح للتصاعد، بما يؤثر على مسارات الاستثمار الأجنبي، والتحالفات الأمنية مع القوى الغربية، وطبيعة الانخراط في النزاعات الإقليمية.
ولفتت فورين أفيرز إلى أن العلاقة بين محمد بن سلمان ورئيس الإمارات محمد بن زايد بدأت بتوافق وثيق منذ عام 2015، حيث تشاركت الدولتان مواقف متقاربة تجاه إيران، والإسلام السياسي، وحرب اليمن، وحصار قطر عام 2017. غير أن هذه الأجندة المشتركة بدأت تتآكل مع فشل حصار قطر، وتعثر سياسة «الضغط الأقصى» على إيران، ما دفع الرياض، منذ عام 2021، إلى إعادة تقييم أولوياتها الإقليمية.
وبحسب المقال، اتجهت السعودية إلى تهدئة علاقاتها مع خصوم سابقين مثل إيران وقطر وتركيا، انطلاقًا من قناعة بأن الاستقرار الإقليمي شرط أساسي لجذب الاستثمارات الضخمة اللازمة لتحقيق رؤية 2030، بينما واصلت الإمارات التمسك بسياستها القائمة على كبح نفوذ الإسلام السياسي وتعزيز حضورها الاقتصادي والأمني إقليميًا ودوليًا.
وسلطت المجلة الضوء على تباينات حادة بين البلدين في ملفات السودان وسوريا واليمن وإسرائيل، حيث تميل السعودية إلى إعطاء أولوية للاستقرار، في حين تركز الإمارات على منع صعود القوى الإسلامية، حتى لو أدى ذلك إلى دعم أطراف متنازعة.
وفي الجانب الاقتصادي، ترى فورين أفيرز أن التنافس مرشح للاشتداد، إذ تعتمد السعودية سياسات تهدف إلى جذب الشركات والاستثمارات على حساب الإمارات، من خلال فرض قيود تجارية غير جمركية، ورفع الرسوم على السلع المنتجة في المناطق الحرة، وربط العقود الحكومية بوجود مقار إقليمية داخل المملكة، وهي خطوات دفعت عددًا من الشركات متعددة الجنسيات إلى نقل مكاتبها من الإمارات إلى السعودية.
وفي المقابل، تشير المجلة إلى أن الإمارات ما تزال تحتفظ بتفوق واضح في قطاعات الخدمات المالية، والطيران، والسياحة، والتجارة والخدمات اللوجستية، فضلًا عن مرونتها الاجتماعية، وقدرتها على التحرك بسرعة في قطاعات ناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، مستفيدة من حجمها السكاني الأصغر واقتصادها الأكثر تنوعًا.
واعتبر المقال أن المشكلة الأساسية بالنسبة للرياض تكمن في أن أبوظبي لا تُظهر استعدادًا للتراجع، بل تضخ استثمارات ضخمة في القطاعات نفسها التي تستهدفها رؤية 2030، ما ينذر بصدام اقتصادي طويل الأمد.
وختمت فورين أفيرز بالإشارة إلى أن احتواء هذا التوتر لا يزال ممكنًا عبر التعاون الانتقائي أو الوساطات الإقليمية، إلا أن المؤشرات الحالية ترجّح مزيدًا من التصعيد. ودعت المجلة الولايات المتحدة وأوروبا إلى تجنب الانحياز لأي طرف، محذرة من أن تفضيل أحدهما قد يدفع الآخر إلى تعميق شراكته مع الصين، بما يهدد التوازن الإقليمي.
وأكد الكاتب أن أي تهدئة حقيقية قد تتطلب تدخلًا شخصيًا لإعادة ترميم العلاقة بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، معتبرًا أن التقارب بينهما سيشكّل عاملًا حاسمًا في استقرار الخليج والمنطقة ككل.















