مصادر تكشف تفاصيل اجتماع عبد الله بن زايد ونتنياهو في نيويورك

كشفت مصادر إماراتية عن تفاصيل اجتماع رسمي عقده بصورة مفاجئة وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وبحسب المصادر لم يكن المشهد الذي ظهر في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة مشهداً عادياً، بل جسّد لحظة سياسية فارقة أظهرت حجم التناقض في مواقف بعض الدول العربية.
إذ بينما غادرت عشرات الوفود القاعة احتجاجاً على خطاب نتنياهو، اختار الوفد الإماراتي الجلوس حتى النهاية، في صورة رآها كثيرون “مهينة” وتعكس اصطفافاً غير مسبوق إلى جانب حكومة متهمة بارتكاب جرائم إبادة جماعية في غزة.
والمفارقة أنّ المشهد لم يتوقف عند حدود البقاء في القاعة، بل تلاه لقاء رسمي بين وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد ونتنياهو، حمل في طياته رسائل سياسية عميقة، وأوحى بأنّ أبوظبي لا تكتفي بالحياد أو التمسك بالدبلوماسية، بل باتت مستعدة لمنح نتنياهو “إنجازاً تطبيعياً” في لحظة عزلة دولية غير مسبوقة.
كسر العزلة على أنقاض غزة
خطاب نتنياهو قوبل باحتجاج عالمي واسع. أكثر من مئة دبلوماسي من خمسين دولة انسحبوا من القاعة، بينهم وفود عربية وغربية، تاركين نتنياهو يتحدث أمام مقاعد شبه فارغة. كان ذلك المشهد دليلاً على العزلة المتزايدة التي يواجهها الاحتلال الإسرائيلي نتيجة حربه الدموية على غزة.
لكن وجود الوفد الإماراتي حتى اللحظة الأخيرة، ثم الانتقال مباشرة إلى لقاء ثنائي مع نتنياهو، قلب هذه الصورة. بدا الأمر وكأنه محاولة مقصودة لكسر طوق العزلة الذي ضُرب على رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومنحه فرصة لتصوير نفسه على أنّه ما زال قادراً على لقاء مسؤولين عرب رغم الجرائم الموثقة في غزة.
وأوضحت المصادر أن المعطيات التي تسرّبت عن المحضر السري للاجتماع – وفق ما تداولته أوساط قريبة من أبوظبي – تكشف أنّ اللقاء لم يكن مجرد تبادل مجاملات، بل تطرق إلى ثلاثة ملفات حساسة:
الدعم المالي لغزة بعد الحرب: لم يكن الحديث عن مساعدات إنسانية عاجلة أو إنقاذ المدنيين من المجاعة، بل عن “تمويل مشاريع” تحت رقابة إسرائيلية صارمة، تمنع أي إمكانية لعودة المقاومة إلى إعادة التمركز.
أي أنّ الأموال ستُوظف كأداة لإعادة هندسة القطاع وفق رؤية إسرائيلية – إماراتية مشتركة، حيث يصبح الإعمار وسيلة للضبط الأمني لا لإغاثة المنكوبين.
غطاء دبلوماسي عربي: نتنياهو طلب صراحة من أبوظبي استخدام علاقاتها لفرملة أي تحرك عربي جماعي يمكن أن يشكل ضغطاً على إسرائيل، خاصة في ضوء المبادرات المتداولة بين دول مثل السعودية وباكستان للتفكير بخيارات استراتيجية أكثر استقلالية عن واشنطن وتل أبيب.
بمعنى آخر، أرادت إسرائيل من الإمارات لعب دور “المانع” الذي يحول دون تبلور أي محور عربي جديد قد يعيد التوازن في مواجهة الاحتلال.
توسيع الشراكة الأمنية: شمل النقاش التعاون في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث تسعى إسرائيل لتعزيز حضورها الأمني والاستخباراتي. هذا الملف لا ينفصل عن طموحات الإمارات في الموانئ والممرات البحرية، ما يجعل من الشراكة الأمنية مع تل أبيب امتداداً طبيعياً لاستراتيجيتها التوسعية في المنطقة.
رد إماراتي بروتوكولي… ودلالاته
بحسب التسريبات، لم يُبدِ عبد الله بن زايد التزاماً صريحاً بأي من النقاط الثلاث، واكتفى بعبارات عامة من قبيل: “نحن ملتزمون بالاستقرار، وسنفعل المناسب”.
ولا تخفى هذه الصياغة البروتوكولية حقيقة أن مجرد الجلوس على الطاولة في مثل هذا التوقيت هو موقف بحد ذاته. فهي رسالة مزدوجة: طمأنة لإسرائيل بأن أبوظبي لن تدير ظهرها لها، وإشارة للغرب بأن الإمارات لا تزال تلعب دور “الجسر” بين تل أبيب والعالم العربي، حتى في أقسى لحظات العدوان.
أبوظبي بين الخطاب والواقع
من اللافت أن هذا اللقاء يأتي في أعقاب سلسلة من الخطوات الإماراتية التي بدت في ظاهرها اعتراضاً على التصعيد الإسرائيلي: استدعاء نائب السفير الإسرائيلي، إلغاء مشاركة شركات دفاع إسرائيلية في معرض دبي للطيران، والتصريحات التي لوّحت بخفض مستوى العلاقات إذا مضت تل أبيب في خطط ضم الضفة الغربية.
غير أنّ جوهر السياسات ظل ثابتاً: لا حديث عن قطع العلاقات، بل عن “إدارة الخلاف” ضمن إطار التطبيع المستمر.
هذا التباين بين الخطاب والواقع يعكس براغماتية إماراتية ترى في العلاقة مع إسرائيل ورقة استراتيجية لا يجوز التفريط بها، حتى لو جاء ذلك على حساب صورتها أمام الرأي العام العربي، وأمام أشلاء الضحايا في غزة.
الأبعاد الإقليمية للقاء
لا يمكن فصل هذا الاجتماع عن السياق الأوسع:
في الخليج: الإمارات تسعى لتأكيد أنها لاعب رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية أو سياسية تخص المنطقة.
في البحر الأحمر: الشراكة الأمنية مع إسرائيل تعزز طموحات أبوظبي في السيطرة على الممرات الاستراتيجية.
في الداخل الإسرائيلي: منح نتنياهو صورة تطبيع جديدة يساعده على احتواء الغضب داخل معسكره، حيث يتهمه خصومه بأنه قاد إسرائيل إلى عزلة دولية خانقة.
وبالمجمل فإن لقاء عبد الله بن زايد مع نتنياهو لم يكن مجرد اجتماع عابر على هامش الأمم المتحدة، بل خطوة سياسية محسوبة بعناية. فهي رسالة للعالم بأن الإمارات ليست جزءاً من حملة عزل إسرائيل، ورسالة لنتنياهو بأنه ما زال يملك أصدقاء عرب في الوقت الذي يغلق فيه الآخرون الأبواب في وجهه.















