تحليل: تمويل إماراتي لمخطط كوشنر في غزة يثير مخاوف من إعادة هندسة القطاع أمنيا وديموغرافيا

كشفت صحيفة الغارديان البريطانية، استنادا إلى وثائق تخطيط ومصادر مطلعة، عن نية الإمارات العربية المتحدة تمويل ما يوصف بأنه أول “مجمع سكني مخطط” في جنوب قطاع غزة، في مشروع يندرج ضمن رؤية أمريكية–إسرائيلية أوسع لإعادة تشكيل القطاع بعد الحرب، ويثير مخاوف جدية من تكريس التقسيم الجغرافي، وتفكيك النسيج المجتمعي الفلسطيني، وتوسيع منظومة المراقبة الأمنية الإسرائيلية.
وبحسب الغارديان، يعتزم المشروع المدعوم إماراتيا إقامة أول مجمع سكني على أطراف مدينة رفح المدمرة، في منطقة تخضع حاليا للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، مع اشتراط إخضاع السكان الفلسطينيين لتدقيق أمني شامل وجمع بيانات بيومترية مقابل الحصول على السكن والخدمات الأساسية، مثل التعليم والرعاية الصحية والمياه.
ويمثل هذا المشروع، وفق الصحيفة، أول استثمار إماراتي مباشر في إعادة إعمار غزة في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، رغم أن أبوظبي قدمت أكثر من 1.8 مليار دولار كمساعدات إنسانية منذ أكتوبر 2023. غير أن الدور الإماراتي في تمويل هذا المخطط لم يعلن رسميا، ولم تكشف عنه إلا وثائق عرض غير سري اطلعت عليها الغارديان ونشرها موقع دروب سايت.
غطاء إنساني لمخطط أمني
وتشير الوثائق إلى أن المجمع السكني صمم ليكون “دراسة حالة” لمشاريع لاحقة، في إطار ما يسميه مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون “مجتمعات آمنة بديلة”، وهي تسمية يرى خبراء أنها تخفي أهدافا أمنية وسياسية تتجاوز البعد الإنساني.
وبحسب التخطيط، سيخضع السكان لنظام مراقبة مشدد، يشمل استخدام محافظ شيكل إلكترونية للحد من وصول الأموال إلى حماس، ومناهج تعليمية غير مرتبطة بالحركة، يتم إعدادها أو الإشراف عليها من قبل الإمارات، إضافة إلى نقاط تفتيش على مداخل ومخارج المجمع لمنع دخول ما يوصف بـ”العناصر المعادية”.
ولا تحدد الوثائق الجهة التي ستتولى تنفيذ عمليات التفتيش أو إدارة قواعد البيانات البيومترية، ما يثير مخاوف قانونية وحقوقية واسعة، خصوصا في ظل الدور المركزي للجيش الإسرائيلي ووحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (COGAT) في إدارة القطاع.
مخطط كوشنر وتقسيم غزة
وتربط الغارديان هذا المشروع مباشرة بمخطط أوسع يشرف عليه ما يعرف بـ”مجلس السلام” الذي تقوده الولايات المتحدة، ويضم شخصيات بارزة مقربة من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، من بينهم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف.
وبحسب العرض الذي قدمه كوشنر في منتدى دافوس، يجري التخطيط لإعادة تقسيم قطاع غزة إلى ثماني مناطق سكنية، من بينها منطقتان في رفح، إحداهما تحمل اسم “رفح الجديدة”، ضمن خطة تمتد لعشرين بندا، وتشمل بناء مئة ألف وحدة سكنية ومئات المرافق التعليمية والطبية.
ويرى مراقبون أن هذا التصور يعزز تقسيم غزة فعليا إلى مناطق “خضراء” خاضعة لإسرائيل، وأخرى “حمراء” تخضع لحماس، مع حصر جهود الإعمار في المناطق التي تسيطر عليها تل أبيب، ما يعني تكريس واقع جغرافي وأمني جديد بالقوة.
تحذيرات من التهجير والمراقبة
وحذر عدد من الخبراء من أن التمويل الإماراتي، وإن جاء بغطاء إنساني، قد يساهم في إضفاء شرعية عربية على مخطط يؤدي فعليا إلى التهجير القسري وتفكيك المجتمع الفلسطيني.
وقال دانيال ليفي، المفاوض الإسرائيلي السابق، بحسب الغارديان، إن مجرد طرح هذه المشاريع يمنح إسرائيل غطاء سياسيا لإخلاء المناطق المستهدفة، حتى دون تنفيذ فعلي على الأرض، مضيفا أن مشاركة الإمارات تسمح لتل أبيب بالقول إن المشروع يحظى بدعم دولة عربية.
من جهته، اعتبر مات محمودي، الباحث في الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان بمنظمة العفو الدولية، أن توسيع استخدام المراقبة البيومترية في غزة يكرس نظاما قسريا يعزز السيطرة الإسرائيلية، ويضغط على الفلسطينيين لمغادرة مناطق تعتبرها إسرائيل استراتيجية.
كما أشار محمد شهادة، الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إلى أن المخططين العسكريين يتعاملون مع غزة باعتبارها مسألة لوجستية وأمنية، متجاهلين تماما الأبعاد السياسية والاجتماعية، وافتراضهم أن الفلسطينيين سينتقلون طوعا إلى هذه المجمعات مقابل الغذاء والخدمات.
دور إماراتي تحت المجهر
وفي ظل غياب أي تعليق رسمي من أبوظبي، يرى مراقبون أن الدور الإماراتي في هذا المشروع يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة انخراطها في ترتيبات ما بعد الحرب، وما إذا كانت تسهم، عن قصد أو دون قصد، في إعادة هندسة قطاع غزة بما يتوافق مع الرؤية الأمنية الإسرائيلية–الأمريكية، على حساب وحدة الأرض الفلسطينية وحقوق سكانها.
وتخلص الغارديان إلى أن ما يجري التخطيط له في رفح قد لا يكون مجرد مشروع إسكان، بل تجربة سياسية وأمنية قد يعاد تعميمها، إذا ما نجحت، على كامل قطاع غزة، في إطار واقع جديد تفرضه القوة لا التوافق.















