ملادينوف إلى غزة؟ ترشيح يكشف اعتماد واشنطن وتل أبيب على الإمارات

يبرز اسم الدبلوماسي البلغاري ووزير الدفاع والخارجية السابق نيكولاي ملادينوف كأحد أبرز المرشحين لتولي منصب كبير المسؤولين الدوليين في قطاع غزة، ممثلاً لـ”مجلس السلام” الذي يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تشكيله، في خطوة تعكس اعتماد الولايات المتحدة و”إسرائيل” المتزايد على دولة الإمارات العربية المتحدة في إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
ويُطرح اسم ملادينوف كبديل محتمل لرئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، بعد موجة انتقادات واسعة رافقت تداول اسمه، ما دفع واشنطن وتل أبيب إلى البحث عن شخصية أقل إثارة للجدل وأكثر قبولاً لدى الأطراف المختلفة.
من بلغاريا إلى الخليج
يُظهر المسار المهني لملادينوف مفارقة لافتة بين المشهد السياسي المتعثر في بلده الأم بلغاريا، حيث تزامنت الاحتجاجات الشعبية ضد الفساد وغلاء المعيشة مع نشاطه الدبلوماسي الخارجي، وبين حضوره المتنامي في الخليج، ولا سيما في أبو ظبي، حيث شغل منصب مدير أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية.
ويُعد انتقاله من السياسة الأوروبية إلى العمل الأممي ثم إلى الإمارات مساراً مألوفاً لعدد من الدبلوماسيين والمسؤولين الغربيين الذين استقطبتهم دول الخليج خلال العقدين الأخيرين، في إطار تعزيز نفوذها الدبلوماسي الإقليمي والدولي.
وقال مسؤول غربي لموقع “ميدل إيست آي” إن المسألة لا تتعلق بشخص ملادينوف بقدر ما تعكس هوية الجهة التي تُمسك بزمام العملية السياسية في غزة، مضيفاً أن أي شخصية ستُختار لهذا الدور ستكون خاضعة للمساءلة، غير أن ملادينوف يُنظر إليه بوصفه قريباً من الرؤية الإماراتية، وبالتالي الإسرائيلية.
صعود ما بعد الشيوعية
وُلد ملادينوف عام 1972 في صوفيا، في عائلة ذات صلات وثيقة بمؤسسات الدولة خلال الحقبة الشيوعية، حيث كان والده يعمل في جهاز الاستخبارات البلغاري، فيما شغل عمه منصب سفير. ومع التحولات السياسية في التسعينيات، انخرط ضمن جيل من السياسيين الذين انتقلوا من إرث ما بعد الشيوعية إلى تبني الخطاب الليبرالي اليميني، وقادوا مسار التحول الأوروبي لبلغاريا.
وفي عام 1999، أسس المعهد الأوروبي في صوفيا لدعم اندماج بلاده في الاتحاد الأوروبي، قبل أن يعمل مستشاراً لعدد من المؤسسات الدولية، من بينها البنك الدولي والمعهد الجمهوري الدولي. وتولى لاحقاً مناصب بارزة، شملت عضوية البرلمان الأوروبي، ووزارة الدفاع، ثم وزارة الخارجية بين عامي 2010 و2013.
وبرز اسمه ضمن وثائق “باندورا” المسربة عام 2021، التي كشفت عن تأسيسه شركة في سيشيل عام 2013، وهو ما قال إنه تم قبل التحاقه بالأمم المتحدة ولم تمارس أي نشاط فعلي.
مبعوث أممي بخصوصية بلقانية
بعد مغادرته الحكومة البلغارية، شغل ملادينوف منصب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط لنحو ست سنوات، وهو موقع نادر تولاه عدد محدود من الدبلوماسيين منذ اتفاقيات أوسلو. وخلال تلك الفترة، حظي بإشادة من أطراف متباينة، شملت السلطة الفلسطينية و”إسرائيل” وحركة حماس.
وعزا ملادينوف نجاحه في هذا الدور إلى خلفيته البلقانية، معتبراً أن تعقيدات النزاعات في منطقته الأصلية منحته فهماً أعمق لطبيعة الصراعات الهوياتية والدينية، وهو ما عبّر عنه في مقابلات إعلامية عدة.
ويُنسب إليه الفضل في تعزيز دور مبعوث الأمم المتحدة، ولا سيما خلال وساطته مع مصر للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار بين “إسرائيل” وحماس في غزة عام 2018.
الإمارات وترتيبات ما بعد الحرب
يتزامن طرح اسم ملادينوف مع إعادة تموضع إقليمي لدول الخليج في ظل عودة ترامب إلى البيت الأبيض. ففي حين برزت قطر سابقاً كأبرز داعم إنساني وسياسي لغزة، استبعدت الدوحة، ومعها الرياض، أي دور في تمويل إعادة الإعمار، معتبرة أن مسؤولية ذلك تقع على عاتق “إسرائيل”.
في المقابل، برزت الإمارات كأكبر مانح لغزة، وكطرف يُنظر إليه في واشنطن وتل أبيب بوصفه قادراً على لعب دور محوري في ترتيبات اليوم التالي للحرب.
صلات بكوشنر واتفاقيات أبراهام
ووفق مصادر غربية، يجري ملادينوف مشاورات مع مسؤولين أمريكيين مقربين من جاريد كوشنر، صهر ترامب، الذي يُعد أحد مهندسي السياسة الأمريكية في المنطقة. وفي حال تعيينه، من المتوقع أن يعمل وسيطاً ضمن “مجلس السلام” المقترح، في إطار خطة أمريكية ما زالت تواجه تعثراً ميدانياً وسياسياً.
وكان ملادينوف قد نسج علاقات وثيقة مع كوشنر خلال مفاوضات اتفاقيات أبراهام عام 2020، التي دافع عنها باعتبارها أسهمت في وقف مخططات ضم الضفة الغربية، رغم الانتقادات العربية الواسعة التي وُجهت إليها.
ودعا في مقالات وتصريحات لاحقة إلى تعميق هذه الاتفاقيات، عبر مشاريع اقتصادية واستثمارية إقليمية، معتبراً أن الدبلوماسية الإماراتية لعبت دوراً محورياً في كبح سياسات الضم الإسرائيلية، وفي إعادة تشكيل معادلات النفوذ في المنطقة.















