بوليتيكو: الاقتصاد الأميركي في عهد ترامب يبدو أقرب إلى الاقتصاد السعودي

تقرير – بوليتيكو الأميركية| في تحول لافت في ملامح الاقتصاد الأميركي، تشير مجلة “بوليتيكو” الأميركية إلى أن السياسات الاقتصادية التي يعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتت تتقاطع بشكل متزايد مع النموذج الاقتصادي الذي يتبناه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والمستند إلى ما يمكن وصفه بـ”رأسمالية الدولة الموجّهة من الأعلى”.

فولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي بنى لنفسه علامة شخصية قوية في الداخل والخارج، يدرك – مثل ترامب – أن الصورة والرمز السياسي لهما دور أساسي في ترسيخ النفوذ وصياغة السياسات.

وصوره التي تملأ الأبراج والميادين في الرياض ليست سوى انعكاسٍ لمشروع ضخم يربط السياسة بالاقتصاد ويمنح الدولة دورًا مباشرًا في توجيه رأس المال وصناعة المستقبل.

من “رؤية 2030” إلى “أميركا أولًا”

تقول بوليتيكو إن محمد بن سلمان حوّل اقتصاد المملكة من نموذج محافظ تقليدي إلى مركز عالمي متسارع التطور، تتجاور فيه ناطحات السحاب مع ورش البناء العملاقة. ورغم الانتقادات الحقوقية، فقد استطاع ولي العهد أن يُعيد رسم ملامح الاقتصاد والثقافة في السعودية، ليجعل من المملكة وجهة جذابة للمستثمرين والسياح.

أما في الولايات المتحدة، فقد اتبع ترامب نهجًا مشابهًا في إدارة الاقتصاد، إذ حوّل بعض الوكالات الفيدرالية إلى أذرع استثمارية تضخّ الأموال في شركات وصناعات تتماشى مع رؤيته السياسية، وبعضها على صلة مباشرة بعائلته أو حلفائه المقربين.

وتشير المجلة إلى أن الرئيس الأميركي سعى أيضًا إلى إنشاء محافظ مالية ضخمة تحت سيطرته، قد تضاهي في حجمها صندوق الاستثمارات العامة السعودي.

“1789 كابيتال”.. ظلّ العائلة في عالم المال

ويوضح التقرير أن عائلة ترامب باتت جزءًا من هذه المنظومة الاقتصادية الجديدة. فشركة “1789 كابيتال” التي أسسها نجل الرئيس، دونالد ترامب الابن، تُعد امتدادًا لمفهوم “أميركا أولًا” في المجال الاستثماري، وهي تستثمر في قطاعات التكنولوجيا والمعادن والذكاء الاصطناعي، مستندة إلى أولويات ترامب الاقتصادية، مع جذب رؤوس أموال من الخليج وآسيا وأوروبا.

ويشير التقرير إلى أن الشركة وسّعت استثماراتها في شركات مملوكة لإيلون ماسك، وأخرى في مجالات الصناعات الدفاعية والمعادن النادرة، وهي القطاعات نفسها التي يعتبرها ترامب محورية ضمن خطته لإعادة بناء الاقتصاد الأميركي.

بين واشنطن والرياض.. تلاقي الرؤى

يقول إريك كانتور، زعيم الأغلبية السابق في مجلس النواب الأميركي، إن هناك “صدى واضحًا” بين نهج ترامب وولي العهد السعودي في قيادة الاقتصاد من الأعلى إلى الأسفل. وأضاف خلال مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” في الرياض أن الجائحة أظهرت ضعف بعض القطاعات الحيوية في الولايات المتحدة، وأن تدخل الدولة المباشر في دعم الصناعات الأساسية أصبح ضرورة، وهو ما يشبه رؤية ولي العهد السعودي في السنوات الماضية.

وأوضح كانتور أن ترامب يستخدم ما يسميه “منبره السلطوي” لتوجيه المستثمرين نحو القطاعات التي يراها ذات أهمية استراتيجية، وإزالة العقبات التنظيمية أمامها، معتبراً أن هذا الشكل من القيادة يعزز دور القطاع الخاص على المدى الطويل.

رأسمالية الدولة على الطريقة الخليجية

وترى بوليتيكو أن سياسات ترامب تجاوزت حدود التوجيه السياسي لتصل إلى الاستثمار الحكومي المباشر في الشركات الخاصة. فقد أصدرت إدارته أوامر بشراء حصص في شركات مثل “إنتل” وشركات معادن استراتيجية، وسعت إلى إنشاء صناديق تستثمر فيها الحكومة الأموال المتأتية من الصفقات التجارية الدولية، في خطوة تشبه إدارة صناديق الثروة السيادية في الخليج.

ويقول ريتشارد أتياس، رئيس مؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار، إن “قادة الخليج ينظرون إلى أنفسهم كرؤساء تنفيذيين لبلدانهم، والرئيس ترامب يشبههم في هذا المنظور، فهو يتعامل مع السياسة بمنهج رجل الأعمال الذي لا يترك صفقة تمر دون تدخّل”.

وبحسب التقرير، فإن هذا النهج خلق فرصًا ضخمة لرجال الأعمال المقربين من الإدارة. وتؤكد كاثي وود، المديرة التنفيذية لصندوق “آرك إنفست”، أن إدارة ترامب “تعرف بالضبط كيف تستفيد من السياسات التي تدفعها”، مشيرة إلى أن الحكومة الأميركية في عهد ترامب لم تعد تتردد في شراء حصص مباشرة في شركات تراهن على نجاحها، على غرار تدخلات الدولة الخليجية.

لكن بوليتيكو تشير إلى أن هذا التحول يحمل مخاطرة طويلة الأمد، إذ لم تتضح بعد آليات الخروج من تلك الاستثمارات كما حدث بعد أزمة 2008 عندما تخلّت الحكومة عن حصصها في شركات السيارات وبنك “AIG”.

دروس من الرياض إلى واشنطن

ويحذر بعض حلفاء ترامب من أن اقترابه من نموذج رأسمالية الدولة قد يغيّر سلوك الشركات الأميركية، فالرؤساء التنفيذيون باتوا يضعون في حسابهم رد فعل البيت الأبيض تجاه قراراتهم، كما حدث عندما اتهم ترامب رئيس شركة “إنتل” بتضارب المصالح في الصين قبل أن يأمر الحكومة بشراء 10% من أسهم الشركة.

ويقول التقرير إن نجاح الولايات المتحدة في استلهام النموذج السعودي سيعتمد على مدى قدرتها على إدارة مواردها بحكمة وعلى حجم التدخل الحكومي المقبول داخل نظام السوق الحر. ويشير مسؤولون سعوديون إلى أن صندوق الاستثمارات العامة والإنفاق الحكومي كانا المحركين الأساسيين للتنمية في العقد الماضي، لكن المرحلة المقبلة ستتطلب دورًا أوسع للقطاع الخاص.

ويختتم التقرير بكلام الملياردير الأميركي بيل أكرمان، أحد أبرز داعمي ترامب، الذي يرى أن “الولايات المتحدة تتفوق في اقتصاد السوق الحر، لكن عندما تبدأ دولة ما من نقطة أقل تقدمًا، فمن المنطقي أن تتدخل الحكومة بقوة لتسريع النمو”.

وأضاف أكرمان: “يجب أن تكون الحكومة مصدر المال الأخير، لا الأول، لكنها تملك دورًا مهمًا في رسم الاتجاهات الكبرى للاقتصاد، تمامًا كما فعلت السعودية في عقدها الأخير”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى