اقتصاد الإمارات في مرمى التوترات الإقليمية: اختبار صعب لنموذج الانفتاح

لطالما قدّمت الإمارات نفسها كواحة استقرار سياسي واقتصادي في منطقة تموج بالصراعات، مستندةً إلى نموذج اقتصادي يقوم على الانفتاح وجذب رؤوس الأموال، والسياحة والتجارة.
إلا أن التطورات الإقليمية الأخيرة، لا سيما التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، وجهت ضربة ملحوظة لهذا النموذج، كاشفة عن هشاشة بعض جوانبه أمام أية اضطرابات في محيطها الجغرافي والسياسي.
مؤشر مديري المشتريات يكشف التباطؤ
تقرير حديث نشرته وكالة بلومبيرغ نقل عن S&P Global بيانات تُظهر أن بيئة الأعمال في دولة الإمارات شهدت تراجعًا في نهاية الربع الثاني من العام الحالي، بالتزامن مع اشتداد التوترات بين إسرائيل وإيران.
فرغم أن مؤشر مديري المشتريات (PMI) للإمارات ارتفع بشكل طفيف إلى 53.5 في يونيو، مقارنة بـ 53.3 في مايو، فإن القراءة ظلت أقل بكثير من مستويات النشاط القوي الذي ميز الاقتصاد الإماراتي في العامين الماضيين، خاصة عقب التعافي القوي من تداعيات جائحة كوفيد-19.
ورغم بقاء المؤشر فوق مستوى 50 الذي يفصل بين النمو والانكماش، إلا أن الارتفاع الطفيف لا يعكس سوى نمو ضعيف في النشاط الاقتصادي. ويعكس المؤشر انخفاض الطلب المحلي وتردد المستهلكين في الإنفاق، وهو أمر يرتبط بشكل مباشر بالمخاوف الأمنية الناجمة عن التصعيد العسكري في المنطقة.
دبي تتأثر بحدة أكبر
الأكثر لفتًا للانتباه هو ما أظهرته بيانات دبي، التي تُعد القلب الاقتصادي النابض للإمارات، ومركزها المالي والتجاري. فقد انخفض مؤشر PMI في دبي إلى 51.8 في يونيو، وهو أدنى مستوى له منذ نحو أربع سنوات، مقارنة بـ 52.9 في مايو.
وأشارت S&P Global إلى أن هذا الانخفاض نتج عن “تباطؤ ملحوظ في نمو المبيعات”، ما يعكس قلق المستثمرين والمستهلكين إزاء التطورات الإقليمية.
ويُعَد تراجع النشاط في دبي مؤشراً مقلقاً، نظراً لاعتماد الإمارة على القطاعات الحساسة مثل السياحة، والتجارة، واللوجستيات، والتمويل، وجميعها تتأثر بشكل مباشر بحالة الاستقرار الإقليمي.
فقد أشار تقرير S&P Global إلى أن بعض الشركات تحدثت عن ضعف حركة السياحة نتيجة التوترات الإقليمية، إلى جانب اشتداد المنافسة، وهو ما حدّ من قدرة الشركات على تحقيق نمو قوي في المبيعات.
تأثير غير مباشر للصراع الإسرائيلي الإيراني
ورغم أن الإمارات ليست طرفًا مباشرًا في الصراع العسكري بين إسرائيل وإيران، إلا أن موقعها الجغرافي كجار قريب لإيران، وصلاتها الاقتصادية الواسعة بالأسواق العالمية، يجعلانها عرضة لتأثيرات أي تصعيد.
فالتصعيد الأخير بين إسرائيل وإيران، والذي شمل هجمات جوية وتهديدات متبادلة، أثار مخاوف من توسع الصراع ليشمل مناطق أوسع من الخليج، أو التأثير على أمن الملاحة في مضيق هرمز، شريان الطاقة العالمي الذي تعتمد عليه اقتصادات الخليج.
وأشار ديفيد أوين، كبير الاقتصاديين في S&P Global Market Intelligence، إلى أن “القطاع غير النفطي في الإمارات أظهر علامات تراجع طفيف في يونيو بسبب الصراع بين إسرائيل وإيران”، مضيفًا أن “التأثير كان محسوسًا بشكل أساسي على جانب الطلب، حيث أبلغت بعض الشركات عن تباطؤ في الطلبات نتيجة التوترات المتزايدة”.
السياحة والتجارة الأكثر حساسية
من أكثر القطاعات التي بدت حساسيتها واضحة هي السياحة، التي تُعتبر شريانًا حيويًا للاقتصاد الإماراتي، خاصة في دبي وأبوظبي. إذ تتأثر حركة السياح بسرعة بأي تطورات أمنية أو سياسية في المنطقة، وهو ما حدث بالفعل مع توتر الأجواء عقب تصعيد المواجهة بين تل أبيب وطهران.
إلى جانب السياحة، يظل قطاع التجارة واللوجستيات عرضة لأي اضطرابات محتملة في الممرات البحرية، إذ تعتمد الإمارات على موقعها كمركز تجاري يربط بين آسيا، أوروبا، وإفريقيا. وأي تهديد لأمن الملاحة أو تقييد لحركة السفن في الخليج ينعكس سريعًا على حجم التجارة والعمليات اللوجستية.
مع ذلك، تشير البيانات إلى أن الإمارات ما زالت حتى اللحظة قادرة على امتصاص الصدمات بشكل نسبي. فقد أوضح تقرير S&P Global أن الضغوط التضخمية على المستهلكين لا تزال محدودة، مما يعطي مساحة للحكومة وللقطاع الخاص لالتقاط الأنفاس.
كما أن السياسات الاقتصادية الإماراتية، التي تقوم على تنويع مصادر الدخل، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، تلعب دورًا في امتصاص تأثير الأزمات.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: إلى أي مدى يمكن لهذا التحصين أن يصمد أمام صراعات قد تتوسع أكثر؟ فإذا استمر التصعيد العسكري أو تطور إلى استهداف المصالح النفطية أو الممرات البحرية، فإن التداعيات ستكون أعمق على الاقتصاد الإماراتي، خاصة مع ارتباطه الوثيق بحركة التجارة العالمية.
تحدي الثقة والمناخ الاستثماري
الأهم ربما ليس فقط الأثر المباشر للتوترات، وإنما أثرها النفسي على المستثمرين الأجانب، الذين ينظرون إلى الإمارات كبيئة مستقرة وآمنة لأموالهم. فمجرد ارتفاع منسوب المخاطر الجيوسياسية يدفع بعض المستثمرين إلى التريث أو حتى إعادة النظر في خططهم التوسعية، خشية أي اضطرابات مفاجئة قد تعصف بأمن الأعمال.
وهو ما أشار إليه ديفيد أوين حين قال إن التوترات أثرت “أساسًا على جانب الطلب”، إذ شعر المستهلكون والشركات بالحذر في ظل الأجواء الإقليمية المشحونة. وهو ما ينعكس في انخفاض معدلات الطلبات الجديدة، خاصة في القطاعات الحساسة مثل العقارات، والسياحة، والأنشطة التجارية الموجهة للسوق الخارجي.
ورغم هذه المؤشرات السلبية، يظل هناك أمل في التعافي السريع حال تراجع التوترات. إذ أشار أوين إلى أن “حدوث انتعاش في نمو المبيعات خلال الأشهر المقبلة أمر ممكن تمامًا إذا هدأت التوترات الإقليمية”. بمعنى آخر، الاقتصاد الإماراتي يظل قادرًا على التعافي إذا ما عادت الثقة سريعًا إلى السوق، وهو ما اعتادت عليه الإمارات بعد كل أزمة إقليمية سابقة.
لكن يبقى الدرس الأهم أن انفتاح اقتصاد الإمارات وارتباطه الوثيق بالأسواق العالمية يجعلان أي صراع إقليمي عامل خطر لا يمكن تجاهله. وعلى الرغم من الجهود المستمرة لتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، فإن استقرار الدولة يظل رهينة استقرار المنطقة، وهو ما يجعل الاقتصاد الإماراتي حساسًا جدًا لأية تطورات عسكرية أو سياسية في محيطه.
في نهاية المطاف، قد تكون الإمارات قادرة على امتصاص الصدمات قصيرة الأجل، لكن استدامة استقرارها الاقتصادي مرهونة بقدرتها على المناورة وسط إقليم متقلب، وإدارة المخاطر الجيوسياسية التي تظل أكبر تهديد يواجه نموذجها الاقتصادي المنفتح.















