كيف تحافظ الإمارات على قربها من الولايات المتحدة بينما تتفادى مواجهتها؟

على مدى العقد الماضي، أتقنت الإمارات العربية المتحدة لعبة التوازن في السياسة الدولية، محافظةً على علاقات استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة، في الوقت نفسه الذي تدفع فيه بسياسات توسعية، وانخراطات عسكرية، وشراكات تكنولوجية مع الصين وروسيا، تتعارض في كثير من الأحيان مع التوجهات الأميركية.
وما يثير الانتباه أن هذا التوازن لم يكلف أبوظبي أثمانًا جدية، على عكس دول أخرى وجدت نفسها تحت ضغط مباشر من واشنطن لأسباب أقل بكثير. السؤال المحوري إذن هو: كيف تفعل الإمارات ذلك؟
تُظهر الوقائع أن الإمارات لا تتحدى الولايات المتحدة علنًا، لكنها لا تلتزم بالكامل بحدود الشراكة الأمنية التقليدية التي تتوقعها واشنطن من حلفائها. علاقات أبوظبي مع الصين مثالٌ مركزي على هذا النهج:
تقارير استخباراتية أميركية – والتي تناولها موقع “ميدل إيست آي” – تتحدث عن نشر عناصر من جيش التحرير الشعبي الصيني في قاعدة عسكرية رئيسية في أبوظبي.
شكوك أميركية مستمرة حول أنشطة بكين في ميناء خليفة الذي تديره شركة صينية عملاقة.
تعاون تقني متصاعد بين الإمارات وشركات الذكاء الاصطناعي الصينية.
ومع ذلك، لا تواجه الإمارات العقوبات ولا الضغوط التي تواجهها دول أخرى عند القيام بأنشطة مشابهة. وهنا تكمن براعة أبوظبي: تتراجع خطوة حين يقتضي الأمر لامتصاص غضب واشنطن، ثم تستأنف مسارها دون تغيير كبير جوهري.
وتقول الخبيرة سينزيا بيانكو: “الإماراتيون يشعرون بقدرتهم على الصمود في وجه أي ضغط أميركي”.
النفوذ المالي والسياسي العميق داخل واشنطن
على مدى عقدين، استثمرت الإمارات مليارات الدولارات في شبكة نفوذ داخل العاصمة الأميركية. سفيرها السابق يوسف العتيبة قاد حملة ممنهجة لربط أبوظبي بمراكز الأبحاث، ومؤسسات الضغط، وصنّاع القرار من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وقد صنعت هذه الشبكة صورة الإمارات كـ“الحليف الأكثر موثوقية” في الخليج، وقدّمتها للدوائر الأميركية باعتبارها دولة “معتدلة”، “مستقرة”، و“ضرورية” لسياسات الشرق الأوسط.
وتمنح هذه المكانة أبوظبي حصانة سياسية، وتسمح لها بالدفع بسياسات أحادية مثل دعم الميليشيات في اليمن والسودان وليبيا دون أن تُعاقَب أو تُواجَه بالنبرة ذاتها التي تواجه بها واشنطن دولًا أخرى في المنطقة.
الارتباط بإسرائيل… بطاقة الامتياز في واشنطن
يشير التحليل الأهم إلى أن العلاقة الإماراتية-الإسرائيلية أصبحت ضمانة مركزية لاستمرار تسامح واشنطن مع سياسات أبوظبي.
فبينما تواجه السعودية وقطر أكبر قدر من التدقيق الأميركي، تتعرض الإمارات لضغط أقل لأن أبوظبي تُعدّ “الصبي الذهبي لإسرائيل” كما وصف أحد المسؤولين الأميركيين.
وهذا الدور مكّن الإمارات من الحفاظ على علاقاتها مع الصين دون اتهامها بالتفريط بالأمن الأميركي، وتجنب مواجهة مباشرة حول دورها في السودان وليبيا، رغم علم واشنطن بدعمها لقوات الدعم السريع عبر خطوط إمداد تمر بليبيا وتشاد وموانئ شرق أفريقيا.
إلى جانب الحصول على إذن لشراء عشرات الآلاف من شرائح Nvidia المتقدمة، رغم القلق الأميركي من استخداماتها المحتملة في المشاريع الصينية-الإماراتية المشتركة.
إدارة الخلافات المتزايدة بمهارة… لا بالصدام
بعكس السعودية وقطر، اللتين تسعيان إلى بناء علاقة “مؤسسية طويلة الأمد” مع واشنطن، تعتمد الإمارات على نموذج مختلف: علاقة مرنة وقابلة للتحوّل، بلا التزامات ثابتة.
ففي ملف الطائرات المقاتلة F-35، على سبيل المثال حصلت السعودية على الضوء الأخضر لشراء الطائرات رغم عدم التطبيع مع إسرائيل، بينما تعثرت صفقة الإمارات بسبب مخاوف واشنطن من علاقتها التكنولوجية مع الصين.
في النهاية، أعلنت الإمارات أنها لم تعد مهتمة بالطائرة، ما سمح لها بالخروج من أزمة محتملة دون خسارة سياسية.
هذا النموذج يتكرر في ملفات أخرى: سوريا، اليمن، السودان، وحتى المنافسات الخليجية. الإمارات تُفضّل التحرك بمفردها، حتى لو أدى ذلك إلى صدامات غير مباشرة مع الرياض أو الدوحة، لكنها تحرص على ألا يتحول أي خلاف إلى نزاع مباشر مع الولايات المتحدة.
وعليه فإن النهج الإماراتي يعتمد على ثلاثة أعمدة رئيسية:
تحوّط استراتيجي محسوب: لا مواجهة مباشرة، ولا التزام كامل، بل مسارات متوازية بين واشنطن وبكين وموسكو.
نفوذ عميق داخل المؤسسات الأميركية: يجعل أي خلاف قابلًا للاحتواء.
تحالف وثيق مع إسرائيل: يمنح أبوظبي حماية سياسية استثنائية داخل الكونغرس والإدارة الأميركية.
وتمنح هذه العناصر مجتمعة الإمارات مساحة حركة لا تتمتع بها أي دولة عربية أخرى، وتجعلها قادرة على اتباع سياسات توسعية في السودان واليمن والقرن الأفريقي، وعلى التعاون مع الصين في في مشاريع استراتيجية، دون أن تخسر قربها من واشنطن أو تتحول إلى خصم مباشر لها.















