بلومبيرغ: السعودية أكثر اعتمادًا على النفط ورؤية 2030 تتعثر أمام الحقائق الاقتصادية

قالت وكالة بلومبيرغ الدولية إن المملكة العربية السعودية أصبحت أكثر اعتماداً على النفط بما يتناقض مع رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان 2030 التي تستهدف تنويع الموارد في المملكة.

وأبرزت الوكالة أنه قبل نحو تسع سنوات، أعلن محمد بن سلمان عن رؤية 2030، باعتبارها خطة تحول اقتصادي طموحة تهدف إلى تقليص اعتماد المملكة على النفط وبناء اقتصاد متنوع ومستدام.

لكن تقرير بلومبيرغ كشف عن مفارقة صارخة: المملكة اليوم أكثر اعتمادًا على النفط مما كانت عليه قبل إطلاق الرؤية. هذا التناقض يضع التساؤلات حول جدوى المشاريع العملاقة والاستثمارات الضخمة في ظل أسعار نفط أقل من مستوى التعادل المالي.

سعر التعادل يرتفع… والعجز يتفاقم

تشير تقديرات بلومبيرغ إلى أن سعر التعادل المالي للنفط في السعودية بلغ 96 دولارًا للبرميل، أي أعلى من مستواه قبل عقد من الزمن. وعند احتساب استثمارات صندوق الاستثمارات العامة – الذراع الاستثماري للرؤية – يرتفع السعر المطلوب لتحقيق التوازن إلى 113 دولارًا للبرميل.

لكن الواقع مختلف. فمنذ بداية عام 2024، بلغ متوسط سعر خام برنت 76.5 دولارًا فقط، أي أقل بكثير من الحد المطلوب لتمويل الموازنة. هذا الفارق الكبير أجبر الحكومة على زيادة الاقتراض من أسواق السندات الدولية، إلى جانب التوجه لبيع مزيد من الأصول لتمويل العجز.

وقد لخص زياد داوود، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة لدى بلومبيرغ، المفارقة قائلاً: «الهدف الأساسي لرؤية 2030 هو تقليص الاعتماد على النفط، لكن السعودية اليوم أكثر اعتمادًا عليه».

إنفاق متضخم رغم التحذيرات

أحد أسباب تفاقم الاعتماد على النفط هو الزيادة الهائلة في الإنفاق العام. فإلى جانب المشاريع العملاقة مثل مدينة نيوم و”المكعب” في الرياض، هناك ضغوط اجتماعية ضمنية تدفع الحكومة إلى رفع الإنفاق كلما ارتفعت أسعار النفط.

ورغم ارتفاع الإيرادات غير النفطية إلى أكثر من 134 مليار دولار في 2024 (مقارنة بنحو 50 مليارًا فقط عام 2016)، فإن النفقات الحكومية المتزايدة التهمت تلك المكاسب. ونتيجة لذلك، سجلت المملكة عجزًا ماليًا متواصلاً في كل ربع مالي منذ أكثر من عامين.

تاريخيًا، ارتبط الإنفاق السعودي بدورة أسعار النفط: عندما ترتفع الأسعار، يزداد الإنفاق العام، وهو نهج كان يُفترض تجاوزه ضمن مساعي تقليص الاعتماد على النفط، لكنه لا يزال قائمًا حتى اليوم.

النفط ما يزال العمود الفقري

تكشف الأرقام أن النفط لا يزال المكون الأهم في الاقتصاد السعودي، بحيث يشكل نحو 60% من إيرادات الحكومة ويساهم بأكثر من 65% من الصادرات.

في المقابل، ورغم أن القطاع غير النفطي يشكل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي البالغ 1.1 تريليون دولار، إلا أن وزنه المالي في الموازنة العامة ما زال محدودًا، ولا يستطيع تعويض تقلبات أسعار النفط.

رؤية الحكومة… وتحديات الواقع

ردت وزارة المالية السعودية على هذه المؤشرات بتأكيدها أن «الوضع المالي ما يزال قويًا»، مشيرة إلى أن التحول الاقتصادي مشروع طويل الأمد يتجاوز التحديات الآنية. وجاء في بيانها: «التحول الهيكلي للاقتصاد السعودي ليس مشروعًا قصير الأمد، بل مسعى جيلي يحقق بالفعل تقدماً ملموساً عبر قطاعات رئيسية».

وبالفعل، نما الاقتصاد غير النفطي بأكثر من 4.5% في الربع الأول من 2025، وهو ما يتماشى مع أهداف الحكومة. لكن هذا النمو لا يكفي لتقليل العجز المالي في ظل استمرار أسعار النفط دون المستوى المطلوب.

ويرى العديد من الخبراء أن تضخم الإنفاق مع تراجع أسعار النفط يشكل تهديدًا حقيقيًا لاستدامة المالية العامة.

وقالت مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري: «نظراً للزيادة الحادة في الإنفاق الحكومي خلال السنوات القليلة الماضية وانخفاض أسعار النفط هذا العام، فإن تبني موقف مالي أكثر حذراً هو أمر حكيم».

وأضافت أن السعودية تمتلك احتياطيات مالية قوية، «لكنها يمكن أن تتآكل سريعًا إذا استمر النهج الحالي».

وتعكس المشاريع العملاقة مثل نيوم والمكعب في الرياض طموح القيادة السعودية في تقديم صورة جديدة للمملكة كقوة اقتصادية وسياحية وعمرانية. غير أن هذه المشاريع، التي تتطلب مئات المليارات من الدولارات، تزيد من الضغط على الميزانية بدلاً من تخفيفه.

كما أن الاعتماد على الاقتراض الخارجي وبيع الأصول قد يوفر حلولًا قصيرة الأمد، لكنه يطرح تساؤلات حول استدامة النموذج الاقتصادي إذا استمرت أسعار النفط في مستويات متدنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى