بوليتيكو الاميركية : كيف اصبحت قطر الصغيرة حليفًا لا غنى عنه بالنسبة لترامب

عندما هبط الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قاعدة العديد الجوية بقطر نهاية الأسبوع الماضي، كان اثنان من أقوى الرجال في الدولة الخليجية الصغيرة في انتظاره بالفعل.
وبحسب ما نقلته صحيفة «بوليتيكو» الأميركية، فإن اللقاء لم يكن وليد الصدفة، بل جاء تتويجًا لحملة دبلوماسية مدروسة قادتها الدوحة على مدى سنوات لتحويل نفسها من خصمٍ لترامب في ولايته الأولى إلى أحد أقرب شركائه وأكثرهم تأثيرًا في سياساته الخارجية.
تقول الصحيفة إنّ قادة قطر كانوا مترددين في البداية إزاء استقبال ترامب رسميًا، عندما اقترح مسؤولون أميركيون في وقت سابق ترتيب لقاء عابر أثناء توقف طائرته “إير فورس ون” في الدوحة للتزود بالوقود.
لكن الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ورئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني قررا في النهاية استقبال ترامب، في خطوة وصفتها «بوليتيكو» بأنها “خرق متعمّد للبروتوكولات الدبلوماسية التقليدية”، إدراكًا من القيادة القطرية لقيمة العلاقة مع الرئيس الأميركي الذي يقود الولاية الثانية من حكمه.
وقال مصدر مطلع للصحيفة: “لقد خرق الأمير جميع البروتوكولات من أجل الرئيس ترامب، لأنه يدرك مدى أهمية هذه العلاقة”.
وأضاف التقرير أن الدوحة، التي فوجئت في بداية ولاية ترامب الأولى عندما دعم الحصار السعودي–الإماراتي المفروض عليها عام 2017، أمضت سنواتٍ في إعادة بناء الثقة معه، من خلال توظيف حلفائه، والاستثمار في مشروعات داخل الولايات المتحدة، وتقديم نفسها كوسيط لا غنى عنه في الملفات الإقليمية الشائكة.
ومن بين خطواتها اللافتة، منحت قطر واشنطن طائرة نفاثة فاخرة تبلغ قيمتها نحو 200 مليون دولار يمكن استخدامها لاحقًا كنسخة من الطائرة الرئاسية “إير فورس ون” — وهي هدية رمزية عكست رغبة الدوحة في فتح صفحة جديدة مع ترامب.
بعد مرور عشرة أشهر على بداية الولاية الثانية لترامب، تقول «بوليتيكو» إن قطر أصبحت “مهندسًا خلف الكواليس” يقف وراء بعض من أهم إنجازات ترامب الدبلوماسية، خصوصًا الهدنة الهشة بين إسرائيل وحماس، التي وصفها الرئيس الأميركي بأنها “أحد أكبر إنجازاته السياسية”.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن مسؤولين قطريين ساعدوا في صياغة الإطار المكوّن من 21 بندًا المعروف بـ«خطة ترامب للسلام»، وأن مبعوثًا قطريًا رفيع المستوى نظّم اجتماعًا جمع بين جاريد كوشنر، المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، والقيادي في حماس خليل الحية، ممهّدًا الطريق للاتفاق الأولي.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي في بيان لـ«بوليتيكو» إن “الرئيس ترامب تربطه علاقة ممتازة بقطر، تعمّقت بفضل زيارته التاريخية إلى الشرق الأوسط التي جلبت تريليونات الدولارات من الصفقات الاقتصادية للولايات المتحدة”، مؤكدة أن “قطر كانت عنصرًا أساسيًا في إنجاح المفاوضات بين إسرائيل وحماس”.
توضح الصحيفة أن النفوذ القطري لم يقتصر على غزة، بل شمل ملفات إقليمية ودولية أوسع.
فإلى جانب موقعها الجغرافي الاستراتيجي المواجه لإيران، أصبحت الدوحة شريكًا رئيسيًا لواشنطن في تبادل المعلومات الاستخباراتية والوساطة في النزاعات، بما في ذلك دعم الحملات الجوية الأميركية ضد الحوثيين في البحر الأحمر، والتنسيق مع الموساد الإسرائيلي خلال الحرب القصيرة مع إيران، والمشاركة في جهود السلام في إفريقيا والقوقاز.
وتشير «بوليتيكو» إلى أن الوساطات القطرية تباطأت خلال فترة الرئيس جو بايدن، الذي طلب من الدوحة تعليق جهودها في وساطة رواندا والكونغو لصالح عملية فرنسية فاشلة لاحقًا.
لكن مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، فوّض قطر رسميًا باستئناف دورها في القارة الإفريقية، ووعدها باحتفال توقيع في البيت الأبيض حال نجاحها، وهو ما تُوِّج باتفاق سلام بين أرمينيا وأذربيجان.
لم يحظَ صعود نفوذ قطر بقبولٍ لدى جميع المقربين من ترامب. فقد انتقدت شخصيات بارزة من حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” مثل ستيف بانون ولورا لومر الدوحة بسبب علاقاتها مع حماس، وشككت في مدى توافق التعاون معها مع مبدأ “أميركا أولًا”.
ووصل الأمر بلومر إلى مهاجمة خطة البنتاغون التي تتيح لقطر بناء قاعدة جوية في ولاية أيداهو، ووصفتها بأنها “إساءة فادحة”.
غير أن مسؤولين أميركيين وقطريين دافعوا عن الشراكة، مشيرين إلى أن استضافة الدوحة لمكاتب حماس وطالبان منذ عقود تمت بطلب من واشنطن نفسها.
وقال مسؤول في البيت الأبيض لـ«بوليتيكو»: “حرص الرئيس ترامب على لقاء الأمير ورئيس الوزراء داخل طائرته الرئاسية يُظهر مدى جديته تجاه العلاقة مع قطر. إنهم يقدمون الكثير من المساعدة”.
بالنسبة للدوحة، فإن الوساطة ليست مجرد سياسة بل جزء من الهوية الوطنية.
ففي حديثه أمام مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، قال رئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني: “الوساطة مكرّسة في دستورنا، واليوم يُنظر إلينا كوسطاء عالميين، من أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا وآسيا”.
وأضاف أن “كل تركيزنا ينصب على حماية شراكاتنا وتعزيزها، خصوصًا في مجالات التجارة والدفاع والطاقة، مع الولايات المتحدة”.
ترى الصحيفة أن سعي قطر لتوطيد شراكتها مع ترامب بدأ فعليًا بعد أزمة الحصار عام 2017، حينما وقف ترامب إلى جانب السعودية والإمارات متجاهلًا نصائح وزيري الخارجية والدفاع آنذاك.
غير أن الأزمة دفعت الدوحة إلى تكثيف جهودها عبر جماعات الضغط المقربة من ترامب، من بينهم بام بوندي، التي لعبت دورًا في فتح قنوات تأثير جديدة داخل إدارته.
وفي 2018 و2019، استقبل ترامب الأمير تميم في البيت الأبيض مرتين، وتحوّلت قطر إلى وسيط رئيسي في المفاوضات الأميركية مع حركة طالبان التي أفضت إلى اتفاق الانسحاب من أفغانستان.
ويقول إيان بريمر، رئيس مجموعة “أوراسيا”، إن “القطريين أدركوا قرب ترامب من محمد بن سلمان، لذلك سعوا إلى عدم الوقوف على الجانب الخاطئ من مسار الخليج، ونجحوا بفضل براعتهم في التوسط مع أطراف متمرّدة كان ترامب يريد تسوية الخلافات معها”.
تكشف «بوليتيكو» أن العلاقة بين واشنطن والدوحة تعرضت لاختبار صعب عندما شنت إسرائيل غارات استهدفت مسؤولين من حماس كانوا في الدوحة للمشاركة في مفاوضات وقف إطلاق النار، ما اعتبرته قطر “انتهاكًا مباشرًا لسيادتها”.
وبعد امتناع واشنطن عن إدانة الهجوم بشكل فوري، طالبت الدوحة باعتذار علني من نتنياهو وضمانة أمنية أميركية بعدم تكرار الحادث.
وبالفعل، تضيف الصحيفة، اتصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بالأمير تميم وقرأ عليه نصّ اعتذار صاغته واشنطن والدوحة معًا، بحضور مسؤول قطري داخل المكتب البيضاوي لتوثيق المكالمة.
وفي خطوة مفاجئة، أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا يتعهد فيه بالدفاع عن قطر ضد أي اعتداء مستقبلي — وهي سابقة في العلاقات الأميركية الخليجية — ما أثار دهشة وسرور القيادة القطرية.
وقال أحد المسؤولين القطريين لـ«بوليتيكو»: “لقد تجاوز ترامب كل توقعاتنا، ولم نكن نتصور أن يعلن الضمانة الأمنية بهذا الشكل العلني”.
تخلص «بوليتيكو» إلى أن قصة قطر مع ترامب تعكس كيف نجحت دولة صغيرة في تحويل ثروتها النفطية وذكائها الدبلوماسي إلى نفوذٍ استراتيجي جعلها شريكًا لا يمكن الاستغناء عنه في سياسات الرئيس الأميركي الأكثر إثارة للجدل.
فمن وساطاتها في غزة إلى مساهمتها في اتفاقات السلام الإقليمية، استطاعت الدوحة أن ترسم لنفسها دورًا يتجاوز حجمها الجغرافي — دور الحليف الضروري في عالمٍ تتغير تحالفاته باستمرار.















