حقل ألغام ترامب التجاري يضغط على حلفاء أمريكا ويقوّض استقرار النظام العالمي

حوّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التجارة العالمية إلى ما يشبه حقل ألغام سياسي واقتصادي، حيث بات أي تحرّك لحلفاء الولايات المتحدة—سواء باتجاه واشنطن أو بعيدًا عنها—محفوفًا بمخاطر انتقامية قد تتجسد في رسوم جمركية قاسية أو تهديدات مباشرة تقوّض الاتفاقيات القائمة.
ووفق تحليل نشره موقع Axios بقلم الصحفية كورتني براون، فإن التهديدات المستمرة بفرض تعريفات جمركية جديدة دفعت شركاء الولايات المتحدة التجاريين إلى البحث عن بدائل تقلل اعتمادهم على السوق الأمريكية.
غير أن هذا المسار، الذي يبدو منطقيًا من زاوية المصالح الاقتصادية، لا يحميهم من غضب ترامب، الذي يتعهد بمعاقبة حتى أولئك الذين يسعون لتنويع شراكاتهم التجارية.
وفي الأسابيع الأولى من العام، سعى ترامب إلى إعادة تأكيد هيمنته على التجارة العالمية بثلاث أدوات رئيسية، كلها تقوم على منطق العقاب لا الشراكة. أول هذه الأدوات كان التهديد الصريح بالانتقام من أي تقارب تجاري مع الصين.
فقد لوّح ترامب بفرض تعريفة جمركية إضافية بنسبة 100% على البضائع الكندية إذا مضى رئيس الوزراء الكندي في اتفاق تجاري مع بكين، معتبرًا أن أي انفتاح على الصين يُعد خروجًا عن “الخط الأمريكي”.
ويُنظر إلى هذا التهديد على أنه رسالة غير مباشرة لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي زار بكين مؤخرًا في محاولة لإعادة ضبط العلاقات مع الصين بعد سنوات من التوتر. فسياسة ترامب لا تكتفي بمحاسبة الخصوم، بل تضع الحلفاء تحت وصاية اقتصادية قسرية.
وتمثلت الأداة الثانية في التهديد بالانتقام بسبب تأخيرات مزعومة في تنفيذ الاتفاقيات. فقد هدد ترامب هذا الأسبوع برفع الرسوم الجمركية على البضائع الكورية الجنوبية، ما قد يعيدها إلى مستوى 25% الذي كان سائدًا قبل الاتفاق التجاري.
وعلّل ذلك بأن البرلمان الكوري الجنوبي لا يتحرك بالسرعة الكافية لتنفيذ تعهدات استثمارية مع الولايات المتحدة، رغم أن الكونغرس الأمريكي نفسه لم يصادق على أي من اتفاقيات ترامب التجارية المعدلة.
وفي السياق نفسه، صرّح كبير مسؤولي التجارة في الإدارة، جاميسون جرير، بأن أوروبا “متأخرة” في التصديق على اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في إشارة تعكس نفاد صبر الإدارة واستعدادها لاستخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط سياسي.
والأداة الثالثة، وربما الأخطر، هي الاستعداد العلني لتفجير الاتفاقيات التجارية الموقعة سلفًا. فترامب تراجع مؤخرًا عن تهديده بفرض تعريفات جمركية على حلفاء حلف شمال الأطلسي على خلفية قضية غرينلاند، لكن مجرد إطلاق التهديد أكد أن الاتفاقيات لم تعد صمام أمان.
بل ذهب ترامب أبعد من ذلك حين وصف اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA)—وهي أبرز إنجازاته التجارية في ولايته الأولى—بأنها “غير ذات صلة” بالولايات المتحدة.
وبات هذا الغموض سمة أساسية في السياسة التجارية الأمريكية، حيث فقدت الشركات والأسواق العالمية القدرة على التنبؤ، وأصبح أي اتفاق عرضة للإلغاء في أي لحظة، ولأسباب قد لا تكون تجارية أصلًا.
أمام هذا المشهد، بدأ حلفاء واشنطن بتسريع جهودهم لعقد اتفاقيات بديلة. فقد أعلن الاتحاد الأوروبي العام الماضي عن اتفاقية تجارة حرة مع كتلة من دول أمريكا الجنوبية، وكشف هذا الأسبوع عن صفقة ضخمة مع الهند، في محاولة لخلق “استقرار” وسط اضطراب النظام التجاري العالمي.
ورغم انتقاد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت للأوروبيين واعتبارهم “مخيبين للآمال”، فإن الواقع يشير إلى أن سياسة العصا الجمركية التي ينتهجها ترامب تدفع الحلفاء دفعًا إلى البحث عن مظلات اقتصادية بديلة.
وقد يبدو الابتعاد عن السوق الأمريكية خيارًا محفوفًا بالمخاطر، لكنه بات في نظر كثيرين تأمينًا ضروريًا في عالم تحكمه قرارات مفاجئة وتغريدات تهديدية.
فسياسة ترامب التجارية لا تعيد فقط تشكيل علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها، بل تسرّع أيضًا تفكيك النظام التجاري العالمي الذي قامت عليه العولمة لعقود، تاركة الجميع يسيرون بحذر في حقل ألغام لا أحد يعرف متى ينفجر.















