الغارديان: جنود إسرائيليون يعترفون بقتل مدنيين في غزة وفقدان القيود الأخلاقية داخل الجيش

كشفت صحيفة الغارديان البريطانية عن شهادات صادمة أدلى بها جنود في جيش الاحتلال الإسرائيلي، تحدثوا فيها عن حالة من الفوضى والانهيار الأخلاقي خلال العمليات العسكرية في قطاع غزة، مشيرين إلى أن المدنيين الفلسطينيين قُتلوا بناءً على قرارات عشوائية من الضباط الميدانيين، في ظل غياب تام للضوابط القانونية والأخلاقية داخل الجيش.

وجاءت هذه الشهادات في الفيلم الوثائقي التلفزيوني “كسر الصفوف: داخل حرب إسرائيل”، الذي تبثه قناة ITV البريطانية مساء الاثنين، حيث قال دانيال، قائد وحدة دبابات في جيش الاحتلال: “إذا أردت إطلاق النار دون قيود، يمكنك ذلك بكل بساطة”.

وأكد عدد من الجنود الذين تحدثوا إلى البرنامج، بعضهم علنًا وآخرون دون الكشف عن هوياتهم، أن “مدوّنة السلوك العسكري الخاصة بالتعامل مع المدنيين اختفت فعليًا في غزة”، مشيرين إلى أن “القرارات المتعلقة بالحياة والموت أصبحت بيد القادة الميدانيين فقط”.

وقال النقيب يوتام فيلك، ضابط في سلاح المدرعات: “في التدريب العسكري كنا نتعلم أن إطلاق النار لا يتم إلا إذا توفرت الوسيلة والنية والقدرة لدى الهدف، لكن في غزة لم يعد أحد يتحدث عن ذلك، يكفي أن ترى شخصًا يسير في مكان غير مسموح لتعتبره هدفًا مشروعًا”.

وأضاف جندي آخر، عُرف باسم إيلي، أن تحديد من هو “العدو” أصبح أمرًا اعتباطيًا:”إذا ساروا بسرعة، نرتاب منهم، وإذا ساروا ببطء نرتاب أيضًا. كل شيء يُفسَّر على أنه خطر محتمل”.

تدمير مبانٍ مدنية وقتل أبرياء

وروى “إيلي” واقعة أمر فيها ضابط كبير بهدم مبنى في منطقة مصنفة آمنة للمدنيين:”كان رجل على السطح ينشر غسيله، فاعتبره الضابط مراقبًا وأمر بقصف المبنى. لم يكن معه سلاح ولا مناظير. كانت النتيجة عشرات القتلى والجرحى”.

ووفق تحليل أجرته الغارديان في أغسطس الماضي لبيانات استخباراتية إسرائيلية، تبيّن أن 83% من القتلى في غزة كانوا مدنيين، رغم نفي الجيش الإسرائيلي لذلك، مشيرة إلى أن عدد الضحايا الفلسطينيين تجاوز 69 ألف شخص منذ اندلاع الحرب، وما زال العدد في ارتفاع رغم الهدنة المعلنة قبل شهر.

وفي بيان مكتوب، قال جيش الاحتلال: “نلتزم بسيادة القانون وبالضوابط الأخلاقية رغم الظروف العملياتية المعقدة التي فرضها استخدام حماس للبنية التحتية المدنية لأغراض عسكرية”.

غير أن الجنود الذين شاركوا في الفيلم أكدوا أن الخطاب السياسي والديني في إسرائيل بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 لعب دورًا كبيرًا في تبرير قتل المدنيين، مشيرين إلى أن لغة بعض الزعماء الإسرائيليين “جعلت كل فلسطيني هدفًا مشروعًا”.

فقد نقل البرنامج تصريحات للرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ قال فيها بعد أيام من الهجوم: “إنها أمة بأكملها مسؤولة، والحديث عن مدنيين أبرياء غير صحيح”،
وهو ما اعتبره الجنود سببًا في “تسرب الكراهية إلى صفوف الجيش”.

وقال دانيال، قائد وحدة الدبابات، إن مثل هذا الخطاب غيّر قناعات الجنود:”عندما تسمع طوال الوقت أنه لا يوجد بريء في غزة، تبدأ في تصديق ذلك”.

أما مكتب الرئيس هرتسوغ، فقد ردّ بأن الرئيس “كان ولا يزال صوتًا واضحًا في الدفاع عن القضايا الإنسانية وحماية الأبرياء”.

وأظهر البرنامج تورط بعض الحاخامات العسكريين في التحريض المباشر على القتل. وقالت الرائد نيتا كاسبين: “جلس حاخام اللواء بجانبي يشرح لي نصف ساعة لماذا علينا الانتقام من الجميع، بمن فيهم المدنيون”.

وأبرز الفيلم شهادة الحاخام المتطرف أبراهام زاربيف، الذي قضى أكثر من 500 يوم في غزة، مؤكداً أن كل ما في القطاع “بنية تحتية إرهابية”، بل تفاخر بأنه قاد الجرافات العسكرية بنفسه وابتكر تكتيكات للهدم الجماعي للأحياء الفلسطينية، قائلاً:”لقد غيرنا سلوك جيش بأكمله”.

استخدام المدنيين كدروع بشرية

وأكد الجنود في البرنامج ممارسة تُعرف داخل الجيش باسم “بروتوكول البعوض”، يتم فيها استخدام المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية داخل الأنفاق.
يقول دانيال:”نرسل الدرع البشري تحت الأرض، يحمل هاتفًا يرسل إحداثيات للموقع أثناء سيره في النفق، وهكذا نعرف كل شيء. سرعان ما تبنت كل سرية هذا الأسلوب”.

وفي بيان آخر، قال الجيش الإسرائيلي: “يُحظر استخدام المدنيين كدروع بشرية أو إجبارهم على المشاركة في أي عمليات عسكرية، ويتم التحقيق في أي ادعاءات سوء سلوك”،
إلا أن الغارديان أشارت إلى أن هذه التحقيقات نادرًا ما تؤدي إلى أي محاسبة فعلية.

كما تحدث متعاقد غربي يُعرف باسم سام، كان يعمل في مواقع توزيع الغذاء التي تديرها مؤسسة الإغاثة الإنسانية (GHF)، عن حوادث قتل متكررة لمدنيين غير مسلحين.
قال سام: “رأيت شابين يركضان نحو المساعدات، فجثا جنديان إسرائيليان وأطلقا النار عليهما مباشرة في الرأس”.

وأضاف: “كما دمرت دبابة سيارة مدنية قرب نقطة توزيع، كان بداخلها أربعة أشخاص عاديين فقط”.

ووفق بيانات الأمم المتحدة، قُتل ما لا يقل عن 944 مدنيًا أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات الغذائية قرب مواقع الإغاثة، فيما نفى الجيش الإسرائيلي والهلال الأحمر الفلسطيني استهداف المدنيين في تلك المناطق.

أنهى دانيال شهادته في الفيلم قائلًا: “لقد دمّروا كل فخري بكوني إسرائيليًا، بكوني ضابطًا في الجيش. لم يتبقَّ سوى العار”.


📎 المصدر: صحيفة الغارديان البريطانية – تقرير حول الفيلم الوثائقي “Breaking Ranks: Inside Israel’s War” الذي تبثه قناة ITV البريطانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى