فايننشال تايمز: الإسرائيليون يشعرون بالأمان في الإمارات أكثر من أوروبا

نقلت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية عن العديد من المقيمين اليهود والإسرائيليين أنهم يشعرون بأمان نسبي في الإمارات العربية المتحدة، مقارنةً بمدن أوروبية شهدت تصاعدًا في الحوادث المعادية للسامية منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وذكرت الصحيفة أن الرقابة الصارمة التي تفرضها السلطات في الإمارات على النشاط السياسي والتظاهرات تسهم في الحد من الاحتكاكات المباشرة وتمنح مساحة واسعة لليهود والإسرائيليين في الأراضي الإماراتية.
وبحسب الصحيفة فإنه بعد أربع سنوات على توقيع اتفاق التطبيع بين دولة الإمارات و«إسرائيل» ضمن ما عُرف بـ«اتفاقات أبراهام»، تشهد الجالية اليهودية في الإمارات تراجعًا ملحوظًا في حضورها العلني وأعدادها الفعلية، في أعقاب حرب غزة وما رافقها من غضب شعبي واسع في العالمين العربي والإسلامي وتوترات سياسية وأمنية متصاعدة.
وأبرزت الصحيفة أن الإمارات عقب التطبيع عام 2020، تحولت إلى نموذج استثنائي في المنطقة، إذ سُمح للمرة الأولى بإقامة شعائر دينية يهودية علنية.
وقد أُقيمت احتفالات عيد «الحانوكاه» في فنادق فاخرة بدبي وأبوظبي، كما نُصبت شمعدانات (منّورات) في مواقع عامة بارزة، من بينها محيط «برج خليفة»، في مشهد عكس آنذاك دفئًا غير مسبوق في العلاقة مع الجالية اليهودية والإسرائيليين المقيمين والزائرين.
وتتذكر إحدى المقيمات اليهوديات، التي انتقلت إلى الإمارات في تلك الفترة، كيف كان بعض السكان المحليين يطلبون التقاط صور مع اليهود أو الإسرائيليين علنًا، معتبرة أن «الانتماء اليهودي أو الإسرائيلي كان يُنظر إليه بوصفه أمرًا جذابًا و”عصريًا”، خاصة لدى الجيل الشاب من الإماراتيين». لكنها تضيف: «منذ 7 أكتوبر تغيّر كل شيء تقريبًا».
وبحسب تقرير صحيفة «فايننشال تايمز»، فإن المكانة العلنية التي تمتعت بها الجالية اليهودية — وهي حالة نادرة في المنطقة — تراجعت بشكل واضح بعد أكثر من عامين على حرب غزة، وسط مخاوف متزايدة تتعلق بالسلامة العامة والحساسية السياسية.
وقال مارك سيفرز، مدير اللجنة اليهودية الأميركية في أبوظبي، إن المخاوف الأمنية والتطورات السياسية دفعت إلى تقليص مظاهر العبادة العلنية، وإغلاق معظم خدمات الصلاة العامة، باستثناء الكنيس الرسمي في العاصمة أبوظبي.
وأضاف أن السلطات الإماراتية بعثت برسالة غير معلنة مفادها: «نحن هنا لحمايتكم وأنتم مرحّب بكم، لكن يُفضّل خفض الظهور العلني في هذه المرحلة».
ووفقًا لمصادر مطلعة، توقفت الصلوات اليومية التي كانت تُقام في قاعات فنادق كبيرة في دبي، بما في ذلك صلوات السبت والأعياد الكبرى، وذلك انسجامًا مع توجيهات رسمية تهدف إلى تقليل الحساسية في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة.
ويمثل هذا التحول ابتعادًا ملحوظًا عن السياسة التي سادت في السنوات الأولى للتطبيع، حين سعت الإمارات إلى تقديم نفسها بوصفها نموذجًا للتسامح الديني و«السلام الدافئ» مع إسرائيل، على عكس العلاقات الباردة التي طبعت اتفاقات السلام السابقة مع مصر والأردن.
وبرغم الجدل الإقليمي الواسع حول اتفاق 2020، فقد أسهم التطبيع في توسيع العلاقات الاقتصادية والسياحية بين الإمارات وإسرائيل. وبلغ حجم التجارة الثنائية نحو 3.2 مليارات دولار في عام 2024، وفق بيانات إسرائيلية، كما استمرت الرحلات الجوية المباشرة بين الجانبين بوتيرة مرتفعة حتى في ذروة الحرب.
اليوم، لم يعد متاحًا للعبادة اليهودية العلنية سوى «بيت العائلة الإبراهيمية» في أبوظبي، وهو مجمّع ديني يضم مسجدًا وكنيسة وكنيسًا بالحجم ذاته، مع لافتات بثلاث لغات. ويخدم الكنيس هناك ما يُقدّر بنحو 600 يهودي يقيمون في العاصمة.
أما في دبي، المركز التجاري والمالي الأبرز في الدولة، فقد انتقلت الأنشطة الدينية إلى نطاق خاص أكثر تحفظًا، داخل فلل وشقق سكنية. ويقول أحد الإسرائيليين المنخرطين في الحياة اليهودية بدبي إن «المِنيانات» — أي النصاب المطلوب للصلاة الجماعية — لم تعد موجودة رسميًا، لكن يمكن العثور عليها عبر شبكات اجتماعية مغلقة داخل المجتمع.
وتشير الصحيفة إلى أن أحد هواجس المسؤولين الإماراتيين يتمثل في الخشية من ردود فعل شعبية وإعلامية في المنطقة العربية، لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تجاه أي مظاهر علنية لليهودية أو الحضور الإسرائيلي. ويقول أحد المقيمين: «قد يسأل الناس في المنطقة: لماذا أنتم أصدقاء لهم؟».
إلى جانب ذلك، تلعب الاعتبارات الأمنية دورًا متزايد الأهمية. فقد أثارت جريمة قتل الحاخام الإسرائيلي–المولدوفي تسفي كوغان في دبي العام الماضي صدمة عميقة داخل الجالية اليهودية. ومع أن السلطات الإماراتية شددت على أن الحادث استهدف الدولة نفسها، وأصدرت أحكامًا بالإعدام بحق ثلاثة متهمين، فإن الإجراءات الأمنية تضاعفت بشكل ملحوظ، خصوصًا حول المواقع الدينية.
كما رفعت الحكومة الإسرائيلية مستوى التحذير من السفر إلى الإمارات، محذّرة من مخاطر محتملة لهجمات إرهابية، في ظل تصاعد التوتر مع إيران وجهات إقليمية أخرى.
ورغم ذلك، يؤكد العديد من المقيمين اليهود والإسرائيليين أنهم لا يزالون يشعرون بأمان نسبي في الإمارات، مقارنةً بمدن أوروبية شهدت تصاعدًا في الحوادث المعادية للسامية منذ اندلاع حرب غزة. ويشيرون إلى أن الرقابة الصارمة التي تفرضها الدولة على النشاط السياسي والتظاهرات تسهم في الحد من الاحتكاكات المباشرة.
وبينما تستمر المطاعم «الكوشير» في دبي في العمل، وتواصل شركات السياحة تنظيم رحلات مخصصة لليهود المتدينين، يخلص أحد الإسرائيليين المقيمين إلى توصيف المرحلة بالقول: «كل شيء لا يزال قائمًا، لكن بهدوء أكبر… الرسالة واضحة: أنتم مرحّب بكم، لكن دون ضجيج».















