فايننشال تايمز: قطر تفرض نفسها في قلب خطة ترامب لوقف الحرب على غزة

كشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن قطر كانت من بين أكثر الأطراف تأثيرًا في تشكيل خطة ترامب للسلام في غزة، وأن فريقًا فنيًّا قطريًّا كان حاضرًا في البيت الأبيض خلال لقاء نتنياهو – ترامب، مما حدّ من قدرة رئيس الوزراء الإسرائيلي على تعديل أكثر من بضع كلمات في المشروع النهائي.

وذكرت الصحيفة أنه قبل أسبوعين من سفره إلى واشنطن بطلب من الإدارة الأمريكية، وقف نتنياهو أمام أنصاره في مستوطنة بالضفة الغربية وأعلن بوضوح: “لن تكون هناك دولة فلسطينية، هذا المكان لنا”.

تلك المواقف القومية المتشددة وضعتها المعارضة والمجتمع الخارجي أمام اختبار حين واجهت مسودة خطة ترامب في نيويورك، التي تضمنت التلميح إلى “مسار موثوق نحو دولة فلسطينية مستقبلية”.

يقول أحد المطلعين على الاجتماع إن الصدمة كانت في الخاتمة: “شعرت وكأنها خيانة نهائية” — تعبير يردّد حجم الفارق بين الخطابات المسرحية والوثيقة التنفيذية الحقيقية.

حسب الصحيفة، شكلت جولة دبلوماسية محمومة، شاركت فيها قطر والسعودية ودول عربية وإسلامية نافذة، ضغطًا حاسمًا على البيت الأبيض لصياغة مشروع سلام يراعي المصالح الخليجية إلى جانب الإرادة الأمريكية. كما أن الغضب الشديد لترامب على الضربة الإسرائيلية التي استهدفت مفاوضي حماس في الدوحة في 9 سبتمبر زاد من فرص تدخل الدوحة بقوة.

والدور القطري لم يقتصر على الضغط الخلفي؛ بل امتد إلى الحضور الفني داخل غرفة القرار، إلى حد أن بعض المراقبين يقولون إنه قلّل من صلاحية نتنياهو في النقاشات. أحد المطلعين على الصياغة أشار إلى أن “تغيير أكثر من بضع كلمات كان مستحيلاً”.

موازنة النفوذ وتحسين المكانة

استضافت قطر مكتب حماس السياسي لسنوات، وكانت وسيطًا تقليديًا في مفاوضات التهدئة والأسرى. هذا البُعد الوسيط منحها أرضية قوية للتدخل، خاصة بعد الضربة التي استهدفت قيادات حماس في الدوحة، والتي استفزّت الرئيس ترامب وأعطت الدوحة موضعًا قوياً في عملية ترتيب السلام.

كما أن قطر تستفيد من أي مشروع يضفي عليها شرعية دولية كراعٍ أساسي لجهود الوساطة، ما يعزز صورة الدولة الوسيطة التي تُحترَم في دوائر الدبلوماسية الأمريكية والعربية.

تحليل من صحيفة Times of Israel وصف قطر بأنها “ساحِبة الجائزة الكبرى” في صفقة ترامب، باعتبار أن الضربة الإسرائيلية في الدوحة أعطتها نفوذاً جديدًا في واشنطن والدوحة على السواء.

الحضور الفعلي في الاجتماعات

أفادت صحيفة هآرتس العبرية بأن دبلوماسيًا قطريًا كان حاضرًا في الغرفة التي جرت فيها محادثة ترامب – نتنياهو في البيت الأبيض، ما يُشير إلى أن التأثير القطري لم يكن خارجياً فقط بل داخليًا.

كما أن الاعتذار العلني الذي أدلى به نتنياهو خلال الاتصال الثلاثي بينه وبين ترامب وأمير قطر يعود جزئيًا إلى ضرورة استمالة الدوحة ضمن صفقة الوسطاء؛ إذ اعترف بشنّ إسرائيل ضربة على الأراضي القطرية “تنتهك السيادة” وأكد أنه لا يخطط لتكرارها.

وبسبب الضغط القطري – الذي حاز على اهتمام ترامب – لم تتسنَّ لنتنياهو سوى إمكانية اقتراح تغييرات هامشية. تغييرات جوهرية مثل شرط العودة إلى القتال في حال خرق الاتفاق، أو تعديل آليات تطبيق البنود الأمنية، قوبلت بردّ “توقفوا عن البحث عن الثغرات”، حسب أحد المطلعين.

لغة أكثر اعتدالًا في المضمون

من بين البنود التي أثارت استياء اليمين الإسرائيلي المتشدد: التلميح إلى دولة فلسطينية، وعدم التهجير القسري، وضمان حرية التنقل لسكان غزة، واحتمال منح عفو لـ “المقاتلين المتخليين عن السلاح” مقابل التعايش السلمي.

وتمنع الخطة إسرائيل من ضمّ غزة أو بناء مستوطنات فيها مؤقتاً، وتتيح دخول الأمم المتحدة لتقديم المساعدات.

في المقابل، يُحظر على حماس المشاركة السياسية، وتُمنع العودة إلى القتال، كما يُفترض أن تُدار غزة لفترة من التكنوقراط الفلسطيني تحت إشراف دولي يقوده ترامب، مع قوة أمنية دولية تولي شؤون الأمن.

تقديرات وتحذيرات

يقيم مراقبون أن النفوذ القطري في صياغة الخطة قد يواجه تحديات كبيرة في التطبيق، خصوصًا إذا رفضت حماس الخطة أو تحفّظت عليها بشدة، أو إذا انخرطت مقاومة شعبية داخل غزة ضد ملامح التفكيك الأمني والسياسي المقترح.

كما أن استثمار قطر في هذا المشروع لا يخلو من مخاطر: فحال فشل الخطة أو الانتقاص من الحقوق الفلسطينية، قد تحسَب عليها دوائر المقاومة في المنطقة. لكن في المقابل، فإن الدوحة راهنت على أن وجودها كطرف مؤثر في القرار يمنحها قيمة استراتيجية متزايدة في النظام الإقليمي الجديد.

من جهة أخرى، يثير وجود فريق قطري داخل البيت الأبيض أثناء اللقاء مع نتنياهو تساؤلات حول سيادة القرار الإسرائيلي، وعن مدى قدرة إسرائيل الحقيقية على المناورة أمام تصور أمريكي بارز مدعوم بضغط خليجي.

كما أن اعتماد ترامب الضمني على حلفائه العرب كضامنين يطرح استفسارات حول من يمسك بزمام المبادرة في المنطقة بعد الحرب.

في النهاية، لا يمكن قراءة خطة ترامب للسلام في غزة بمعزل عن الدور القطري الوسيط، بل إن الصيغة التي خرجت بها اليوم هي نتيجة تضارب مصالح دولية وإقليمية، حيث استُخدمت الدوحة كرافعة لدفع المشروع في اتجاهات تراعي مصالحها وتقيمها كفاعل مركزي في الإقليم.

وختمت الصحيفة فأن دور قطر المعلن والخفي في صياغة الوثيقة يثبت أن حرب غزة لم تكن لحظة عابرة في السياسة الخليجية، بل معتركًا انتخابيًا ودبلوماسيًا حُسمت فيه المواقف والتحالفات منذ البداية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى