فرار أكثر من 100 من معتقلي تنظيم داعش من سجن في شمال شرقي سوريا

فر أكثر من 100 معتقل من عناصر تنظيم «داعش» من سجن في شمال شرقي سوريا، عقب اندلاع اشتباكات عنيفة في المنطقة، وذلك بعد اتفاق توصلت إليه «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) ذات الغالبية الكردية، والتي تتعرض لضغوط متزايدة، للانسحاب من محافظتين استراتيجيتين في البلاد.
وأظهرت مقاطع مصورة نشرتها «قسد» ما قالت إنه عملية اقتحام لسجن في مدينة الشدادي، نفذها مسلحون ملثمون يرتدون أقنعة سوداء، مؤكدة أن عناصر من تنظيم داعش تم تهريبهم من السجن. وأفادت بأنها فقدت السيطرة على المبنى عقب هجوم، زعمت أنه نفذته قوات موالية للحكومة السورية، وأسفر عن مقتل وإصابة العشرات.
من جهته، أكد الجيش السوري، في وقت متأخر من مساء الاثنين، وقوع عملية الفرار، وفرض حظر تجول شامل في مدينة الشدادي، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية «سانا». ونفى الجيش السوري مهاجمة السجن، محملاً «قسد» مسؤولية هروب المعتقلين، ومعلناً بدء عمليات تمشيط واسعة في المدينة لتعقب الفارين.
وبحسب وزارة الداخلية السورية، فإن نحو 120 معتقلاً من تنظيم داعش تمكنوا من الفرار، في حين رفعت «قسد» العدد إلى نحو 1500 شخص.
وأوضحت الوزارة أن قوات الأمن تمكنت من إعادة اعتقال 81 شخصاً خلال عمليات مداهمة وتفتيش داخل المدينة ومحيطها، مؤكدة استمرار الجهود للقبض على بقية الفارين.
وجاءت هذه الاشتباكات بعد أقل من 24 ساعة على إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع توصل حكومته إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع «قسد»، يتضمن تفكيك سيطرتها المستمرة منذ عقد على شمال شرقي البلاد، في خطوة تهدف إلى توطيد سلطة الدولة المركزية.
وأثار التراجع المفاجئ لـ«قسد» في شمال سوريا تساؤلات حول قدرتها على الاستمرار في إدارة وتأمين السجون والمخيمات التي تضم عشرات الآلاف من عناصر ومناصري تنظيم داعش، من الرجال والنساء.
كما أفادت تقارير باندلاع اشتباكات قرب سجن العقيدان في مدينة الرقة، التي كانت خاضعة سابقاً لسيطرة «قسد»، إضافة إلى سجنين آخرين في المدينة، هما «التعمير» ومركز احتجاز للأحداث، حيث ذكرت مصادر كردية أن السكان المحليين أفرغوا هذه المنشآت من نزلائها. في المقابل، أعلن الجيش السوري وصوله إلى سجن العقيدان لتأمينه «رغم وجود قوات تابعة لـقسد داخله».
ويُحتجز عدد كبير من معتقلي تنظيم داعش، المنحدرين من نحو 70 دولة بينها المملكة المتحدة، في مناطق ذات غالبية كردية شمال شرقي البلاد، منذ هزيمة التنظيم إقليمياً عام 2019.
وتحتجز الغالبية العظمى من النساء وأفراد عائلات التنظيم في مخيم الهول، الذي يضم قرابة 26 ألف شخص، إضافة إلى مخيم روج الأصغر، حيث توجد البريطانية شميمة بيغوم. كما يُحتجز نحو 4500 رجل في سجن بانوراما أو سجن غويران.
ولا تزال الجهة التي أفرجت عن معتقلي الشدادي غير واضحة. وأكدت «قسد» أن المسلحين الذين نفذوا العملية ينتمون إلى «فصائل تابعة لدمشق»، مشيرة إلى أن عدداً من مقاتليها تعرضوا لعمليات ذبح.
وأضافت في بيان أن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لم يستجب لنداءات الاستغاثة المتكررة التي وجهتها إلى قاعدة قريبة للتحالف. ولم يصدر تعليق فوري من القيادة المركزية الأميركية رداً على طلب للتعليق عبر البريد الإلكتروني.
وكانت القوات الكردية المدعومة أميركياً قد اعتقلت عشرات الآلاف من الأشخاص المرتبطين بتنظيم داعش عقب هزيمته. لاحقاً، تخلت واشنطن عن إدارة هذه المخيمات، تاركة المهمة لحلفائها الأكراد، لكن مع تقليص الوجود العسكري الأميركي، تتزايد الضغوط على السلطات السورية الجديدة لتولي هذه المسؤولية.
وبحسب نص الاتفاق بين «قسد» ودمشق، من المقرر دمج الإدارة المسؤولة عن السجون والمخيمات، وكذلك القوات التي تؤمنها، ضمن مؤسسات الدولة السورية، على أن تتحمل الحكومة «المسؤولية القانونية والأمنية الكاملة» عن هذه المنشآت.
إلا أن هذا المخطط، الذي يُعد جزءاً من مساعٍ لدمج «قسد» ضمن جيش وطني موحد، يواجه حالة من انعدام الثقة، في ظل مخاوف كردية من أن تقوم الحكومة الجديدة، التي يقودها إسلاميون منشقون سابقاً عن تنظيم القاعدة، بتخفيف القيود المفروضة على شبكات تنظيم داعش.
ويُقدَّر عدد المحتجزين من المملكة المتحدة بنحو 55 رجلاً وامرأة وطفلاً، بينهم شميمة بيغوم، حيث جُرّد كثير منهم من الجنسية البريطانية بسبب ارتباطهم بالتنظيم.
وقالت منظمة «ريبريف» الحقوقية البريطانية إن ما يجري يمثل «جرس إنذار» لسياسة لندن الرافضة لإعادة مواطنيها المحتجزين في سوريا. وأشارت إلى أن دولاً أخرى، بينها الولايات المتحدة التي أعادت 28 من مواطنيها، قامت تدريجياً بإعادة رعاياها المحتجزين في ظروف احتجاز مفتوحة.
وقالت مايا فوا، المديرة التنفيذية للمنظمة، إن «تقلبات الوضع الراهن تفرض إعادة نظر عاجلة»، مضيفة: «الخيار الآمن الوحيد هو إعادة المواطنين البريطانيين ومحاكمة البالغين منهم في حال وجود قضايا تستوجب ذلك».
ويُذكر أن المسار الجهادي للرئيس السوري أحمد الشرع بدأ في العراق بعد الغزو الأميركي، حيث انخرط في محيط تنظيم القاعدة عبر فرعه العراقي، الذي كان نواة تنظيم داعش. واعتقلته القوات الأميركية عام 2005، قبل أن يعمّق علاقاته مع أبي بكر البغدادي، الذي كلفه لاحقاً بتأسيس «جبهة النصرة» في سوريا.
وسرعان ما صعد نجم الجبهة، لكنها انشقت عن البغدادي عام 2013، ما دفع الشرع إلى إعلان ولائه لتنظيم القاعدة قبل أن يقطع العلاقة عام 2016، مقدماً نفسه كقائد لحركة تمرد محلية تطورت لاحقاً إلى «هيئة تحرير الشام».
ومنذ الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، تواجه القيادة السورية الجديدة صعوبات في فرض سلطتها على كامل الأراضي. ورغم التوصل إلى اتفاق في مارس/آذار لدمج «قسد» مع دمشق، إلا أنه تعثر وسط تبادل الاتهامات بخرق بنوده.
وفي السياق، أشاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يوم الاثنين، بما وصفه «الإدارة الحذرة» للجيش السوري خلال عمليته للسيطرة على المناطق الكردية في شمال شرقي البلاد.
وقال أردوغان إن «تعامل الجيش السوري بحساسية مع هذه العملية الدقيقة أمر جدير بالتقدير»، مضيفاً أن الجيش «نجح في تجنب الاستفزازات، واجتاز اختباراً مهماً».
وتنظر تركيا إلى «قسد» باعتبارها امتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي تصنفه أنقرة تنظيماً إرهابياً، وترى فيه تهديداً مباشراً على طول حدودها الممتدة مع سوريا لمسافة 900 كيلومتر.
وأكد أردوغان أن «مبدأ دولة واحدة وجيش واحد لا غنى عنه لتحقيق الاستقرار»، واصفاً اتفاق وقف إطلاق النار وخطة الدمج بـ«الإنجاز المهم من أجل السلام والاستقرار الدائمين في سوريا».
ودعا إلى الإسراع في تنفيذ الاتفاق، قائلاً: «لا مبرر للتسويف أو كسب الوقت. عهد الإرهاب في منطقتنا انتهى، ولا ينبغي لأحد أن يخطئ في الحسابات».















