قمة شرم الشيخ: توقيع اتفاق ترامب لوقف إطلاق النار في غزة وبدء مرحلة ما بعد الحرب

شهدت مدينة شرم الشيخ المصرية، الاثنين، حدثاً وُصف بالتاريخي، مع توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبمشاركة مصر وقطر وتركيا إلى جانب الولايات المتحدة.
الاتفاق الذي أُطلق عليه اسم “وثيقة الرئيس الأمريكي للسلام في غزة” جاء تتويجاً لجهود وساطة مكثفة، وافتتح به ترامب قمة السلام حول غزة، معلناً أن “المرحلة الثانية من المحادثات قد بدأت فعلاً”، وموضحاً أن التركيز في المرحلة المقبلة سيكون على إعادة الإعمار ونزع سلاح الفصائل داخل القطاع.
وقال ترامب في كلمته أمام القمة إن الحرب في غزة “انتهت”، وإن وقف إطلاق النار سيصمد، معتبراً أن الاتفاق يمثل “انتصاراً مذهلاً لإسرائيل والعالم”، حسب وصفه.
وأضاف أن “اليوم هو يوم عظيم للشرق الأوسط”، مؤكداً التزام بلاده بضمان تنفيذ الاتفاق ومتابعة ما بعده من خطوات سياسية وأمنية.
السيسي: لحظة تاريخية
من جانبه، أشاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالاتفاق، معتبراً أنه يفتح حقبة جديدة من السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.
وقال في كلمته خلال القمة إن “السلام يظل خيارنا الاستراتيجي، ولا يمكن أن يقوم إلا على العدل والمساواة”، مضيفاً أن مصر ستواصل التنسيق مع الأطراف كافة لضمان تطبيق بنود الاتفاق.
وأعلن السيسي أن قمة لإعادة إعمار غزة ستُعقد في القاهرة خلال نوفمبر المقبل، مؤكداً أن بلاده ستعمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتأمين مرحلة التعافي المبكر.
وفي بادرة رمزية، منح السيسي نظيره الأمريكي قلادة النيل، أرفع وسام في مصر، تقديراً لما وصفه بـ”جهود ترامب في التوصل إلى الاتفاق”.
ملامح الاتفاق
بحسب ما أُعلن في ختام القمة، يشمل الاتفاق تبادل الأسرى والرهائن بين إسرائيل وحركة حماس، إلى جانب انسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة تمهيداً لبدء مرحلة انتقالية تُشرف عليها هيئة دولية أُطلق عليها اسم “مجلس السلام الخاص بغزة”.
وقال ترامب في مؤتمر صحفي مشترك مع السيسي إنه “دعا الرئيس المصري للانضمام إلى المجلس”، مضيفاً: “سأكون هناك”، في إشارة إلى التزام القاهرة بالمشاركة في إدارة المرحلة الانتقالية.
من جهته، وصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو هذا اليوم بأنه “من أهم الأيام في مسيرة السلام العالمي خلال العقود الخمسة الماضية”، فيما كشف مبعوث الرئيس الأمريكي إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، أن هناك “قائمة طويلة من المتقدمين” للانضمام إلى المجلس الجديد.
لقاء ترامب والسيسي
وعلى هامش القمة، عقد الرئيسان ترامب والسيسي اجتماعاً مغلقاً حضر الإعلام بدايته. وصف ترامب نظيره المصري بأنه “رجل قوي للغاية”، مضيفاً: “لا توجد جريمة لديهم، إنه يوقفها قبل أن تبدأ”، وهي تصريحات أثارت انتقادات في الولايات المتحدة بسبب سجل القاهرة في مجال حقوق الإنسان.
ورغم الجدل، أشاد ترامب بدور مصر في إنجاح اتفاق غزة قائلاً إن القاهرة “قامت بعمل رائع”، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستبدأ بعمليات رفع الأنقاض وتنظيم الأوضاع في القطاع تمهيداً لإعادة الإعمار.
ردود الفعل الإسرائيلية والفلسطينية
في إسرائيل، أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنه لم يتمكن من حضور القمة، لكنه قال في بيان إن بلاده “حققت انتصارات هائلة” في غزة، مضيفاً أن “المعركة لم تنته بعد”.
وأفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن الصليب الأحمر تسلّم أربعة رهائن أُفرج عنهم في غزة، فيما أكدت مصادر إسرائيلية أخرى أنه “لم يعد هناك أي رهائن أحياء لدى حماس”.
أما السلطة الفلسطينية فأكدت وصول عدد من السجناء المفرج عنهم إلى رام الله، بعد إعلان إسرائيل إطلاق سراح نحو 1,968 معتقلاً فلسطينياً مقابل 20 رهينة أفرجت عنهم حماس في إطار الاتفاق.
المرحلة المقبلة
قال الرئيس الأمريكي إن المرحلة المقبلة من الخطة “ستتركز على إعادة إعمار غزة”، مشدداً على أن ذلك “يتطلب نزع السلاح لضمان استقرار دائم”. واعتبر أن التعاون الدولي لتحقيق السلام في غزة يمثل نصراً لإسرائيل والعالم، مضيفاً أن التوقعات السابقة باندلاع حرب عالمية ثالثة في الشرق الأوسط “لن تتحقق”.
السيسي من جهته وصف الاتفاق بأنه “ثمرة جهود دبلوماسية غير مسبوقة”، بينما قال ترامب إن الاتفاق “انطلق كالصاروخ”، مضيفاً أن “الجميع سعداء بما تحقق”.
وخلال اجتماع جانبي في القمة، جمع الرئيس المصري كلاً من ملك الأردن عبد الله الثاني، والرئيسين الفرنسي والتركي، وأمير قطر، والمستشار الألماني، ورؤساء وزراء إيطاليا والمملكة المتحدة وكندا، ووزير خارجية السعودية، تم الاتفاق على عقد مؤتمر القاهرة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار في نوفمبر 2025، بهدف تنسيق المساعدات الدولية للقطاع.
وقال السيسي إن قمة شرم الشيخ “خلقت زخماً دبلوماسياً يمكن البناء عليه”، مؤكداً أن استقرار غزة “شرط أساسي لاستقرار المنطقة بأسرها”.
التحركات الدولية الموازية
وفي لندن، عقدت وزارة الخارجية البريطانية اجتماعاً موسعاً بالتزامن مع قمة شرم الشيخ، شارك فيه عشرات من كبار مسؤولي الشرق الأوسط وأوروبا إلى جانب مؤسسات مالية عالمية. وذكرت رئاسة الوزراء البريطانية أن الهدف من الاجتماع، الذي يستمر ثلاثة أيام، هو إطلاق جهود التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب في غزة، على أن تكون بقيادة فلسطينية.
وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن بلاده مستعدة “للعمل خلف الكواليس” لمتابعة تنفيذ وقف إطلاق النار والمساعدة في تفكيك القدرات العسكرية لحماس، مؤكداً في الوقت نفسه أنه لا يسعى للانضمام إلى “مجلس السلام”.
من جانبها، أعلنت مؤسسة “هالو تراست” البريطانية الخيرية أنها تُعد فريقاً من 100 خبير لتفكيك القنابل للعمل في غزة، للتعامل مع كميات هائلة من الذخائر غير المنفجرة بعد عامين من الحرب.
بهذا الاتفاق، تدخل غزة مرحلة جديدة عنوانها إعادة الإعمار وإعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني، وسط آمال دولية بأن تكون قمة شرم الشيخ بداية لمسار سلام طويل طال انتظاره في الشرق الأوسط.















