محادثات بين السعودية وسوريا للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية

تخوض السعودية وسوريا محادثات غير مسبوقة لبناء كابلات بيانات ضخمة تربط المملكة بأوروبا عبر الأراضي السورية، في خطوة تُعد جزءاً محورياً من خطة الرياض للتحول إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية.

ووفقاً لتقرير نشره موقع “سيمافور” (Semafor)، فإن سوريا تستعد لمنح عقد المشروع، المعروف باسم “سيلك لينك” (SilkLink)، خلال الأسابيع المقبلة، وسط اهتمام سعودي واضح بالمشاركة في هذا المسار الاستراتيجي الجديد.

ونقل التقرير عن مصادر مطلعة أن شركة الاتصالات السعودية (STC)، وهي أكبر مزوّد اتصالات في المملكة، تُعد من أبرز المرشحين للفوز بعقد المشروع، إلى جانب ائتلافات تضم شركات من الأردن والكويت وعُمان والإمارات.

وتهدف المبادرة إلى إنشاء خط ألياف بصرية بري جديد يربط الخليج بالبحر المتوسط، متجاوزاً البحر الأحمر الذي يشكّل حالياً المسار الرئيسي لحركة الإنترنت بين الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة.

ويُتوقع أن يحقق المشروع دفعة اقتصادية كبيرة للاقتصاد السوري المنهك بفعل الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، عبر استثمارات قد تصل إلى 500 مليون دولار، فضلاً عن عوائد تشغيلية مستمرة من إدارة الكابلات وتأجير سعات نقل البيانات.

كما سيُحدث نقلة نوعية في البنية التحتية للإنترنت داخل سوريا، التي لا تزال تعتمد على شبكات قديمة ومتقطعة.

وقال عبدالسلام هيكل، وزير الاتصالات والتكنولوجيا السوري، في مقابلة مع “سيمافور”: “نحن في المرحلة الأخيرة قبل اختيار الشريك لمشروع سيلك لينك. خمس شركات تقدمت بعروض، بينها شركة الاتصالات السعودية، إضافة إلى ائتلافات مدعومة من مستثمرين خليجيين.”

وأكد هيكل أنه التقى نظيره السعودي في الرياض في وقت سابق من هذا العام لمناقشة المشروع، وأن المحادثات تضمنت بحث سبل التعاون التقني والاستثماري.

وتشير مصادر الموقع إلى أن شركة STC قد تتولى بناء وامتلاك كابلات البيانات، مما سيجعلها أول شركة سعودية تدير بنية تحتية رقمية تمر عبر سوريا منذ اندلاع الحرب عام 2011.

تجاوز البحر الأحمر… وبديل عن المسار الإسرائيلي

ويأتي اهتمام الرياض بالمسار السوري في وقت تتزايد فيه المخاوف من الأعطال المتكررة في كابلات الألياف البحرية المارة عبر البحر الأحمر، والتي تسببت في السنوات الأخيرة بانقطاعات حادة في الإنترنت أثّرت على اقتصادات عدة دول في الشرق الأوسط وآسيا.

ففي سبتمبر الماضي، أدى انقطاع مفاجئ في عدد من الكابلات إلى تعطيل حركة البيانات لعدة أيام دون توضيح رسمي للأسباب.

وقال الوزير السوري في هذا السياق: “لدينا منفذ طبيعي على البحر المتوسط، ويمكن أن نكون بوابة للعديد من دول الخليج، بما فيها السعودية، لتأمين تنوع في المسارات التي تحتاجها الشركات الكبرى العاملة في مجال الحوسبة السحابية.”

ويرى مراقبون أن المسار البري عبر الأردن وسوريا سيقلل من زمن الانتقال (latency) مقارنة بالمسارات البحرية، كما يمنح السعودية خياراً بديلاً عن الربط عبر إسرائيل، في ظل غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين حتى الآن. ويُعد هذا عاملاً سياسياً حساساً قد يجعل دمشق لاعباً مهماً في خطط الرياض الرقمية المقبلة.

البيانات: النفط الجديد في استراتيجية الرياض

تسعى السعودية في إطار رؤية 2030 إلى تنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد على النفط، عبر الاستثمار المكثّف في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والتقنيات الناشئة.

ومع تسارع السباق العالمي في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، تُدرك المملكة أن البيانات أصبحت المورد الاستراتيجي الجديد، وأن من يملك القدرة على نقلها وتخزينها والتحكم بتدفقها سيمتلك نفوذاً اقتصادياً هائلاً.

وتعمل الرياض حالياً على بناء مراكز بيانات ضخمة تعتمد على الطاقة المتجددة، وتستقطب شركات عالمية لتطوير البنية التحتية الرقمية. فقد وقّعت الحكومة اتفاقيات مع شركات كوالكوم (Qualcomm) ونفيديا (Nvidia) وغروك (Groq) وأمازون ويب سيرفيسز (AWS) لتزويدها بشرائح ذكاء اصطناعي وأنظمة حوسبة متقدمة.

ويرى خبراء أن الربط السريع والمستقر مع أوروبا يمثل شرطاً أساسياً لإنجاح هذه الطموحات، تماماً كما مثّلت أنابيب النفط والغاز العمود الفقري للاقتصاد السعودي في القرن العشرين.

فاليوم، تبحث المملكة عن “أنابيب رقمية” تنقل البيانات بالسرعة والكفاءة ذاتها، لتغذي مراكز الحوسبة العملاقة المنتشرة في أراضيها.

سوريا تحاول استعادة دورها الإقليمي

من الجانب السوري، يبدو أن دمشق تحاول استثمار موقعها الجغرافي لاستعادة موقعها كلاعب لوجستي في المنطقة بعد سنوات العزلة.

ففي مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض الأسبوع الماضي، قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن بلاده تمتلك موقعاً فريداً يربط الخليج بأوروبا، مؤكداً أن الحكومة المؤقتة “تسعى إلى أن تكون وجهة استثمارية لا متلقية للمساعدات”.

وأضاف الشرع أن سوريا تستهدف جذب عشرات المليارات من الدولارات لإعادة الإعمار، معظمها من دول الخليج، مشيراً إلى أن مشاريع البنية التحتية الرقمية مثل “سيلك لينك” يمكن أن تكون بداية لمسار اقتصادي جديد يعيد دمج سوريا في محيطها العربي والدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى