وول ستريت جورنال: دبلوماسية ماكرون والسعودية قلبت مسار الدعم الغربي لفلسطين

قالت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية إنه لم يكن في الحسبان أن تُقدم مجموعة من أقرب حلفاء الولايات المتحدة الغربيين على الاعتراف بدولة فلسطينية، لكن عامًا من الدبلوماسية المحمومة قادها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب مسؤولين سعوديين، قلب المعادلة المستمرة منذ عقود.

وأبرزت الصحيفة أنه منذ أواخر عام 2023، تزايد إحباط ماكرون من إسرائيل ومن عجز الولايات المتحدة عن إنهاء حرب غزة، ليتحوّل تدريجيًا إلى لاعب أساسي في الدفع نحو الاعتراف الغربي بفلسطين.

وأشارت إلى انخراط باريس والرياض معًا في مساعٍ مكثفة لإقناع الحكومات الأوروبية والغربية بتبني موقف أكثر استقلالًا عن واشنطن، بهدف إحياء فكرة حل الدولتين عبر منح الاعتراف الرمزي والسياسي بدولة فلسطينية.

وبحلول سبتمبر 2025، كانت فرنسا قد أعلنت رسميًا اعترافها بالدولة الفلسطينية، لتلحق بها بريطانيا وأستراليا وكندا والبرتغال ولوكسمبورغ ومالطا وموناكو. أما بلجيكا فقد ربطت اعترافها بانسحاب حماس من غزة والإفراج عن الأسرى الإسرائيليين.

قال ماكرون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: “قد يرى البعض أننا تأخرنا، وآخرون أننا استعجلنا، لكن المؤكد أننا لا نستطيع الانتظار أكثر.”

الدور السعودي: تمهيد للتطبيع

التحول لم يكن فرنسيًا بحتًا. فقد لعبت السعودية دورًا محوريًا خلف الكواليس. فمع اقتراب نهاية عام 2024، شجع مسؤولون سعوديون ماكرون على قيادة الحملة الغربية، معتبرين أن الاعتراف بدولة فلسطينية سيمهد الطريق أمام الرياض لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل ضمن إطار أوسع لتسوية إقليمية.

في ديسمبر 2024، زار ماكرون المملكة والتقى ولي العهد محمد بن سلمان، حيث جرى تنسيق المواقف.

ومنذ ذلك الحين، تكثفت الجهود المشتركة لدفع الدول الغربية إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية باعتبارها خطوة أولى نحو إعادة إحياء العملية السياسية.

والتحول في خطاب ماكرون ارتبط أيضًا بتجارب شخصية مباشرة. ففي ربيع 2024، زار مستشفى مصريًا يعالج جرحى فلسطينيين من غزة، وهو مشهد ترك أثرًا عميقًا فيه وفق مقربين منه. ومع تصاعد عدد الضحايا – أكثر من 65 ألف قتيل فلسطيني بحسب السلطات الصحية المحلية – ازدادت قناعته بأن الوضع القائم لم يعد مقبولًا.

في يوليو 2025، استغل ماكرون زيارته الرسمية إلى لندن ليعرض على رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر حججه بشأن الاعتراف. وفي خطاب أمام البرلمان البريطاني، قال: “لم يكن قيام دولة فلسطينية مهددًا كما هو اليوم، مع تحول غزة إلى أنقاض واستمرار الهجمات اليومية في الضفة الغربية.”

مؤتمر نيويورك: إطار جديد

على وقع هذه التحركات، نسق ماكرون مع السعودية لعقد مؤتمر في نيويورك صيف 2025.

اجتمعت فيه الدول العربية لتبني موقف موحد: إدانة هجوم حماس على إسرائيل، الدعوة إلى نزع سلاح الحركة، والتأكيد على استبعاد أي دور لها في الدولة الفلسطينية المنشودة. كما طُرح مقترح نشر بعثة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار.

قبل أيام من المؤتمر، فاجأ ماكرون الدبلوماسية الدولية برسالة بعثها إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أعلن فيها نية فرنسا الاعتراف بفلسطين رسميًا في الأمم المتحدة. هذا الإعلان – الأول من دولة عضو في مجموعة السبع – فتح الباب أمام دول غربية أخرى للحاق بفرنسا.

ردود الفعل الإسرائيلية والأمريكية

لم يمر هذا التحول دون رد. فقد اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ماكرون بـ“مكافأة الإرهاب” وتأجيج معاداة السامية، متعهدًا بالرد على الحملة الفرنسية من دون توضيح الكيفية.

في المقابل، رأى مسؤولون أمريكيون أن الاعتراف الغربي بدولة فلسطينية قد يقوض فرص حل الدولتين بدلًا من إنعاشها، ويحرم السلطة الفلسطينية من الحافز للإصلاح.

اليمين الإسرائيلي الحاكم ساوى بين السلطة الفلسطينية وحماس، رغم أن إسرائيل تعتمد عمليًا على التنسيق الأمني مع السلطة في الضفة الغربية. بل إن بعض أعضاء حكومة نتنياهو دعوا إلى ضم الضفة الغربية، خطوة قد تهدد بتقويض “اتفاقات إبراهيم” مع الدول العربية.

رهانات ماكرون

بالنسبة لماكرون، الاعتراف ليس نهاية المطاف بل بداية عملية دبلوماسية جديدة. قال في مقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي: “الاعتراف ليس لحظة واحدة بل سلسلة التزامات وسلوكيات جديدة نريد إطلاقها.”

من خلال هذه المقاربة، يسعى ماكرون إلى إعادة صياغة دور فرنسا كوسيط محوري بين إسرائيل والعالم العربي، في وقت تراجع فيه نفوذ باريس التقليدي في المنطقة.

ويظهر هذا النهج إيمانه بقوة التعاون الدولي في تشكيل مسارات الصراع، في مواجهة نهج القوة العسكرية الصِرفة.

وخلصت الصحيفة إلى أن ماكرون نجح بدعم سعودي، في كسر احتكار الولايات المتحدة لمسار “حل الدولتين” عبر إدخال الاعتراف الدولي بفلسطين إلى صميم السياسة الغربية.

ومع أن الخطوة لا تغير من واقع الاحتلال أو الاستيطان، إلا أنها تفتح ثغرة في جدار الجمود السياسي، وتمنح القضية الفلسطينية شرعية جديدة في الساحة الدولية.

لكن التحدي الأكبر يبقى في قدرتها على ترجمة هذا الاعتراف إلى مسار عملي، في ظل رفض إسرائيلي متصاعد ودعم أمريكي لذلك الرفض، ما يترك الباب مفتوحًا أمام مواجهة سياسية طويلة قد تحدد مستقبل المنطقة لسنوات مقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى