السعودية وسوريا توقعان سلسلة اتفاقيات تجارية بقيمة 4 مليارات دولار

في خطوة جديدة تعكس تحوّلًا تدريجيًا في السياسة الإقليمية، وصل وفد اقتصادي سعودي رفيع المستوى إلى العاصمة السورية دمشق يوم الأربعاء، لتوقّيع سلسلة اتفاقيات ومذكرات تفاهم مع الجانب السوري، تقدّر قيمتها الإجمالية بحوالي 4 مليارات دولار.
وتشمل الاتفاقيات مشاريع استثمارية وتجارية في قطاعات حيوية مثل الطاقة والصناعة والبنية التحتية، في مؤشر واضح على رغبة الرياض في لعب دور محوري في مرحلة إعادة الإعمار بسوريا ما بعد الحرب.
وضمّ الوفد السعودي وزير الاستثمار خالد الفالح، إلى جانب نحو 120 من رجال الأعمال والمستثمرين السعوديين، يمثلون قطاعات متنوعة مثل الإنشاءات، والتكنولوجيا، والزراعة، والسياحة، والطاقة.
وبحسب وكالة الأنباء السعودية الرسمية “الإخبارية”، فإن القيمة المتوقعة للاتفاقيات ومذكرات التفاهم تفوق 15 مليار ريال سعودي (حوالي 4 مليارات دولار أمريكي)، وهي الأكبر من نوعها منذ استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قبل أكثر من عام.
وخلال الزيارة، شهد الوفد تدشين مشروع مشترك مهم، تمثل في وضع حجر الأساس لمصنع للإسمنت الأبيض في ريف دمشق، وهو أول مشروع صناعي سعودي بهذا الحجم داخل سوريا منذ العام 2011.
المنتدى الاستثماري السوري-السعودي
تزامنًا مع توقيع الاتفاقيات، عقدت وزارة الاستثمار السعودية بالتعاون مع وزارة الاقتصاد السورية منتدى استثماري موسّع في دمشق، حضره مسؤولون حكوميون من الجانبين، وممثلون عن القطاعين العام والخاص.
وركّز المنتدى على الفرص المتاحة في سوريا، والحوافز التي ستقدمها الحكومة السورية للمستثمرين الأجانب، وعلى رأسهم السعوديون، في إطار خطة وطنية لإعادة الإعمار.
وأكد وزير الاستثمار السعودي خلال كلمته في المنتدى أن بلاده “تسعى إلى تعزيز الاستقرار والتنمية الاقتصادية في سوريا”، مضيفًا أن “الشراكة مع الحكومة السورية تمثل خطوة إستراتيجية نحو بناء مستقبل مشترك في المنطقة.”
تزامن سياسي وأمني معقد
الزيارة تأتي في وقت حساس، بعد أسابيع من الاضطرابات الأمنية التي شهدتها محافظة السويداء جنوب سوريا، حيث اندلعت أعمال عنف طائفية دموية، تخللتها ضربات جوية إسرائيلية استهدفت مناطق في السويداء ودمشق، بدعوى منع هجمات ضد الطائفة الدرزية.
وقد عاد الهدوء النسبي إلى المنطقة عقب تدخلات دبلوماسية أميركية وإقليمية ساهمت في التوصل إلى وقف إطلاق نار هش.
هذا السياق الأمني المعقد لم يمنع الوفد السعودي من المضي قدمًا في الزيارة، ما يبعث برسالة واضحة بأن المملكة تسعى لتثبيت دورها في مرحلة ما بعد الحرب، خاصة في ظل تراجع النفوذ الإيراني إثر رحيل الرئيس السوري السابق بشار الأسد في ديسمبر الماضي، وتولي أحمد الشرع مقاليد الحكم.
أبعاد سياسية للاتفاقيات
رغم أن الطابع الاقتصادي طغى على زيارة الوفد السعودي، إلا أن الأبعاد السياسية لم تغب عن المشهد. ففي فبراير الماضي، التقى الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع بولي العهد السعودي محمد بن سلمان في الرياض، في لقاء وصفته مصادر رسمية بأنه “مفصلي” في إعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي.
وناقش الطرفان آنذاك ما وُصف بـ”خطط مستقبلية واسعة النطاق” تشمل مجالات الطاقة والتعليم والتكنولوجيا والصحة، وهي القطاعات التي تغطيها الاتفاقيات الأخيرة.
ومن اللافت أن هذا التقارب تم بدعم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي صرح لاحقًا أن كلًا من محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان أقنعاه برفع العقوبات المفروضة على سوريا منذ عهد الأسد.
دوافع سعودية متعددة
يأتي هذا الانخراط السعودي المتسارع في سوريا رغم التحديات المالية التي تواجهها المملكة بسبب تراجع أسعار النفط عالميًا، وهو ما دفعها إلى إعادة تقييم الجدوى الاقتصادية لبعض المشاريع العملاقة التي ترعاها، بما في ذلك خطط في مدينة “نيوم” المستقبلية.
ومع ذلك، يواصل صندوق الاستثمارات العامة السعودي توسيع استثماراته الخارجية، وهو ما يفسّر اندفاع الرياض نحو السوق السوري، الغني بالفرص بعد سنوات من التدمير. ويرى مراقبون أن السعودية تسعى من خلال هذه الاتفاقيات إلى تحجيم النفوذ الإيراني، وكسب نفوذ اقتصادي وسياسي جديد في بلاد الشام.
من الجانب السوري، تُعد هذه الاتفاقيات انتصارًا رمزيًا واقتصاديًا لحكومة الرئيس أحمد الشرع، الذي يحاول إعادة دمج بلاده في الحاضنة العربية بعد سنوات من العزلة. كما تهدف دمشق إلى استقطاب الاستثمارات الخليجية كبديل عن التمويل الإيراني المتقلص، وخاصة في مشاريع إعادة الإعمار والبنى التحتية.
وذكرت وكالة الأنباء السورية “سانا” أن زيارة الوفد السعودي “تمثل تحولًا جوهريًا في العلاقات السورية-السعودية”، وأن الاتفاقيات التي تم توقيعها ستُسهم في خلق آلاف فرص العمل، وتنشيط عجلة الاقتصاد المحلي.















