فايننشال تايمز: نهاية مشروع ذا لاين .. كيف انهار حلم نيوم السعودي

كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، في تقريرٍ مطوّل، أن مشروع “ذا لاين” الضخم في مدينة نيوم السعودية، الذي كان من المفترض أن يكون رمزًا للتطوّر العمراني العالمي، قد خضع لتقليصاتٍ كبيرة بعد أن اصطدم بواقعٍ هندسي ومالي صعب، على الرغم من أنه مثّل في بدايته طموحًا غير مسبوق لولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
يستند التقرير إلى مقابلاتٍ مع أكثر من 20 معماريًا ومهندسًا ومسؤولًا تنفيذيًا شاركوا في مراحل مختلفة من المشروع، معظمهم فضّلوا عدم الكشف عن هوياتهم، وكشفوا عن صعوبات هائلة واجهت التنفيذ على أرض الواقع.
فيديو لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية يظهر تحقيقًا مطوّلًا يكشف كواليس مشروع "ذا لاين" العملاق في مدينة نيوم السعودية، والذي وُصف في بدايته بأنه أعظم تجربة حضرية في التاريخ الحديث، قبل أن يصطدم بأزمات هندسية ومالية ضخمة أدّت إلى تقليص حجمه إلى حدٍ كبير.https://t.co/AZQdlRGvLQ pic.twitter.com/mkuLWqwhGs
— الوطن الخليجية (@alkhaleja) November 7, 2025
“ذا لاين”.. الحلم الذي بدأ بتحدّي الفيزياء
ذكّرت الصحيفة بأن الأمير محمد بن سلمان أعلن في عام 2021 أن مشروع “ذا لاين” سيشكّل نموذجًا ثوريًا لمدن المستقبل، بطول 170 كيلومترًا وارتفاعٍ يصل إلى 500 متر، مقسوم إلى شريطين متوازيين من الأبراج العملاقة المغطاة بالمرايا.
كان الهدف — وفق التقرير — بناء مدينة مستقيمة تمتد من جبال شمال غرب السعودية إلى ساحل البحر الأحمر، دون سيارات أو انبعاثات كربونية، يعيش فيها تسعة ملايين شخص في بيئة متكاملة تعتمد على الطاقة النظيفة والتقنيات المتقدمة.
إلا أن مصادر تحدثت لـ”فايننشال تايمز” أكدت أن هذا التصميم “يخالف كل المعايير الهندسية والمنطقية”، وأن المهندسين واجهوا صعوبات “لا مثيل لها” في تكييف المشروع مع التضاريس الجبلية المعقدة، والتربة غير المستقرة، والمناخ الصحراوي القاسي.
وأفادت الصحيفة بأن حجم المشروع تقلّص بشكلٍ كبير خلال عام 2024، إذ لم يعد من المخطط أن يمتد على 170 كيلومترًا، بل على جزء لا يتجاوز بضعة كيلومترات في مرحلته الأولى، بينما تم تجميد العمل في أجزاء أخرى حتى إشعارٍ آخر.
ونقلت “فايننشال تايمز” عن مصادر مطلعة أن عدد السكان المستهدفين بحلول عام 2030 انخفض من تسعة ملايين إلى أقل من 300 ألف، كما تمّ تسريح مئات الموظفين والمقاولين ضمن خطة لإعادة تقييم التكاليف.
وأضافت الصحيفة أن السبب الرئيس وراء هذا التقليص هو ارتفاع تكاليف البناء التي تجاوزت التقديرات الأولية بأضعاف، فضلًا عن صعوباتٍ لوجستية وتكنولوجية لم يكن من الممكن تجاوزها في المدى القريب.
وصفت “فايننشال تايمز” “ذا لاين” بأنه “أحد أكثر المشاريع طموحًا في تاريخ الهندسة المعمارية”، مشيرة إلى أن المخطط كان يتضمن “نظامًا معلقًا للسكك الحديدية بسرعة فائقة”، و”ثريات ضخمة” تُعلّق من أسقف المباني لنقل الضوء والطاقة.
لكن مهندسًا سابقًا في المشروع قال للصحيفة إن “الكثير من هذه التصاميم كانت مستحيلة هندسيًا”، مضيفًا أن “الفيزياء نفسها كانت ضدنا”، في إشارة إلى صعوبة تحقيق التوازن الإنشائي لهيكل يمتد بهذا الطول والارتفاع دون ركائز تقليدية.
الأسباب السياسية والاقتصادية
أشارت الصحيفة إلى أن تقليص المشروع لا يعني التخلي عنه بالكامل، بل إعادة توجيه الموارد نحو أجزاء يمكن إنجازها قبل عام 2030 — الموعد الحاسم لـ”رؤية السعودية 2030″.
وقال أحد المسؤولين الذين نقلت عنهم الصحيفة: “ولي العهد لا يريد إلغاء المشروع، لكنه يريد أن يرى شيئًا ملموسًا قبل 2030، حتى لو كان مجرد جزءٍ رمزي من ذا لاين.”
وأضاف التقرير أن العوامل الاقتصادية، بما في ذلك انخفاض أسعار النفط في فترات معينة، وارتفاع تكاليف الاستيراد، دفعت الحكومة إلى مراجعة أولوياتها في الإنفاق على المشاريع العملاقة.
ورأت “فايننشال تايمز” أن “ذا لاين” لا يزال يمثل “رمزًا لطموح الأمير محمد بن سلمان في تحويل المملكة إلى مركز عالمي للتقنية والاستدامة”، حتى لو تم تقليص نطاقه بشكلٍ كبير.
وأشارت الصحيفة إلى أن المشروع أثار منذ البداية جدلًا واسعًا بين مؤيدين يرونه خطوةً نحو مستقبلٍ أخضر حديث، ومعارضين يعتبرونه “حلمًا هندسيًا بعيد المنال” لا يتناسب مع الواقع البيئي والاقتصادي.
اختتمت “فايننشال تايمز” تقريرها بالتأكيد على أن ما يجري في “ذا لاين” يعكس تحديًا أكبر يواجه المملكة في موازنة طموحاتها الضخمة مع المعوقات العملية.
وقالت الصحيفة إن “التجربة السعودية مع ذا لاين ستكون درسًا عالميًا حول حدود الطموح الهندسي حين يصطدم بالفيزياء والاقتصاد في آنٍ واحد”.















