دويتشه فيله: منطق الإمارات في دعم الحركات الانفصالية مرشّح للاستمرار رغم الاعتراض السعودي

لطالما اتسمت العلاقة بين السعودية والإمارات بدرجة من التنافس الهادئ الذي يُدار خلف الكواليس، إلا أن هذا التنافس خرج خلال الأسبوع الماضي إلى العلن، واتخذ منحى عنيفًا وغير مسبوق بين دولتين تُعدّان من أكثر القوى نفوذًا في الشرق الأوسط.
ففي الثلاثين من ديسمبر، شنّت السعودية غارات جوية على مدينة المكلا، الميناء اليمني الاستراتيجي، مستهدفة شحنة أسلحة قالت الرياض إنها كانت في طريقها إلى مجموعات انفصالية في جنوب اليمن. وبحسب الرواية السعودية، فإن الشحنة كانت مرسلة من الإمارات إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يطالب بإقامة دولة مستقلة في جنوب البلاد.
من جانبها، نفت الإمارات أن تكون الشحنة موجهة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، مؤكدة أنها كانت مخصصة لقواتها الأمنية المنتشرة في المنطقة. غير أن هذه التوضيحات لم تُقنع الرياض، التي شددت على أنها سبق أن حذرت أبوظبي من إرسال مثل هذه الشحنات، ووصفت التحركات الإماراتية بأنها “بالغة الخطورة”.
وتكتسب هذه التطورات حساسية إضافية نظرًا إلى أن محافظة حضرموت، التي ينشط فيها المجلس الانتقالي الجنوبي، تمتلك حدودًا برية طويلة مع السعودية، ما يجعل أي تحولات عسكرية أو سياسية فيها ذات تأثير مباشر على الأمن القومي السعودي.
وفي هذا السياق، أوضح الباحث السعودي هشام الغنام، وهو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، في تصريح لوسيلة إعلام يمنية تُدعى “عدن الغد”، أن سيطرة جماعة مسلحة غير متحالفة مع الرياض على هذه المنطقة الحيوية لم تكن خيارًا مقبولًا بالنسبة إلى السعودية.
وقد شكّلت الضربات الجوية السعودية أول مواجهة عسكرية مباشرة بين البلدين، أعقبتها إعلان الإمارات نيتها سحب ما تبقى من قواتها من اليمن. إلا أن خبراء يرون أن جذور الخلاف بين الرياض وأبوظبي أعمق من مجرد حادثة ميدانية، وأنها مرشحة للاستمرار.
ويؤكد محللون أن جوهر التوتر يعود إلى اختلافات بنيوية في مقاربات السياسة الخارجية لدى البلدين. ففي حديثه إلى «دويتشه فيله»، قال كريستيان كوتس أولريخسن، الزميل المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في معهد بيكر للسياسة العامة بجامعة رايس، إن التطورات الإقليمية خلال الشهرين الماضيين أظهرت بوضوح الفجوة بين رؤيتي السعودية والإمارات لطبيعة النظام الإقليمي.
وأضاف أن الدولتين اتخذتا مواقف متباينة في عدد من الأزمات الإقليمية، موضحًا أن السعودية لا تُبدي حماسة لمغامرات عسكرية جديدة، على عكس ما يُنظر إليه على أنه ميل إماراتي أكبر للمخاطرة ودعم جماعات مسلحة غير تابعة للدولة.
من جانبه، أشار ه. أ. هيلير، الزميل البارز في المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية (RUSI) في لندن، في تعليق لافت على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أن السعودية، بوصفها قوة إقليمية تقليدية، تركز بشكل متزايد على تحقيق الاستقرار، وتعزيز التعاون الاقتصادي الإقليمي، ودفع مسارات التنمية الداخلية، إضافة إلى العمل ضمن أطر المؤسسات الدولية القائمة، وعلى رأسها الأمم المتحدة.
نهج إماراتي قائم على دعم الفاعلين غير الدولتيين
في المقابل، يرى باحثون أن الإمارات تتبنى نموذجًا مختلفًا في سياستها الخارجية، يوصف أحيانًا بأنه أكثر براغماتية أو حتى “ميكافيلية”، ويقوم على مبدأ “الهدم من أجل البناء”، وهو نهج لا يتماشى بالضرورة مع الإجماع العربي الإقليمي.
ويذهب أندرياس كريغ، المحاضر الأول في كلية دراسات الأمن بجامعة كينغز كوليدج في لندن، إلى وصف السياسة الإماراتية بأنها تقوم على بناء ما يسميه “محور الانفصاليين”. ووفق هذا الطرح، دعمت أبوظبي فاعلين مسلحين غير تابعين للدولة في دول مثل ليبيا والسودان والصومال واليمن، بهدف تعزيز نفوذها من دون الاضطرار إلى التعامل المباشر مع الحكومات المركزية. وتواصل الإمارات نفي هذه الاتهامات.
ويشرح كريغ أن هذا “المحور” يتميز بكونه مترابطًا ومرنًا في آن واحد، مضيفًا أنه أكثر قدرة على الصمود من النهج السعودي القائم على مركزية الدولة، لأنه لا يعتمد على عاصمة واحدة أو قناة واحدة أو اتفاق رسمي واحد. وبدلًا من ذلك، تتقاطع – بحسب تعبيره – شبكات التمويل، واللوجستيات، والطيران، والموانئ، والتأثير الإعلامي، والضغط السياسي، وصفقات التسلح ضمن ما يصفه بـ”الفضاء الإماراتي”.
ويضيف كريغ أن جزءًا كبيرًا من هذا النشاط يجري بعيدًا عن الأضواء، عبر وسطاء، وتجار، وشركات واجهة، وشبكات شحن وطيران، فضلًا عن تدفقات مالية ودورات تجارية معقدة. وقد مكّن هذا النهج الإمارات من الوصول إلى ممرات بحرية حيوية، وموانئ استراتيجية، ومراكز طاقة مؤثرة.
ويرى كريغ أن هذه المقاربة تساهم في تشكيل “نظام إقليمي بديل”، تفرض فيه أبوظبي شروطها من خلال السيطرة على العقد والممرات، بدلًا من الاعتماد على المعاهدات الرسمية، وهو ما يؤدي إلى تهميش القوى الإقليمية التقليدية عبر تحويل أدوات النفوذ بعيدًا عنها.
تموضع متباين في النزاعات الإقليمية
وقد انعكست هذه الفوارق في النهج على مواقف البلدين في عدد من النزاعات. ففي السودان، اضطلعت السعودية بدور الوسيط ودعمت الحكومة المعترف بها دوليًا، في حين وُجهت اتهامات متكررة إلى الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهي قوة شبه عسكرية مثيرة للجدل.
ومؤخرًا، عندما اعترفت إسرائيل بأرض الصومال كدولة مستقلة، قوبلت الخطوة برفض واسع من معظم الدول العربية، بما في ذلك السعودية، بينما امتنعت الإمارات عن إدانتها، في ظل علاقاتها الوثيقة بكل من أرض الصومال وإسرائيل.
كما أن الإمارات كانت من أوائل الدول العربية التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل، في حين تؤكد السعودية أنها لن تقدم على هذه الخطوة قبل التوصل إلى حل يفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة.
إلى جانب ذلك، وُجهت إلى الإمارات اتهامات بتشجيع نزعات انفصالية داخل سوريا، ولا سيما في أوساط بعض المكونات الدرزية، في وقت تدعم فيه السعودية الحكومة السورية الجديدة.
توتر متصاعد دون قطيعة شاملة
وقد أدى هذا التباين المتزايد إلى تعقيد إدارة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، حيث يرى مراقبون أن الوضع الحالي يقترب من حالة “حرب باردة” بين قوتين محوريتين في المنطقة.
وعقب أحداث الأسبوع الماضي، انتقلت المواجهة إلى الفضاء الرقمي، حيث تبادل مواطنون ومعلقون من كلا البلدين الانتقادات الحادة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فبينما اتهم محللون سعوديون الإمارات بـ”تمزيق الدول والمجتمعات”، وصفها آخرون بـ”الأخ الصغير المتمرّد”. وفي المقابل، اشتكى معلقون إماراتيون مما اعتبروه سلوكًا سعوديًا متعاليًا يتعامل مع الآخرين بوصفه “الأخ الأكبر”.
ومع ذلك، لا يعتقد الخبراء أن التوتر سيتحول إلى مواجهة مباشرة أو قطيعة شاملة. ويقول كوتس أولريخسن إن التحرك السعودي في اليمن كان يهدف أساسًا إلى حماية المصالح الوطنية، وربما مثّل إحدى المرات النادرة التي تواجه فيها الإمارات رد فعل قويًا على دعمها لجماعات غير دولتيّة.
ويضيف أن غياب الرغبة في قطيعة دائمة يجعل السيناريو الأرجح هو أن يواصل الطرفان السير في مسارات سياسية منفصلة، مع إدارة الخلافات بدلًا من تفجيرها.
من جهته، يرى كريغ أن انسحاب الإمارات المعلن من اليمن لا يعني تخليها الكامل عن نفوذها هناك، بل سيقودها على الأرجح إلى تقليص الظهور العلني، وتشديد الإجراءات، وإدارة تبعات ردود الفعل، من دون التخلي عن جوهر استراتيجيتها.
ويخلص كريغ إلى أن هذا السلوك ليس جديدًا، موضحًا أن الإمارات تميل، عند مواجهة مقاومة، إلى تعديل الشكل الخارجي لسياستها، مع الحفاظ على جوهرها.
معركة النفوذ والشرعية
وفي ختام تحليله، يجادل كريغ بأن الإمارات حققت مكاسب ملموسة عبر هذه الأساليب، غير أن العامل الحاسم يتمثل في الكلفة المتزايدة على مستوى السمعة والشرعية السياسية. فالدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع في السودان، على سبيل المثال، جلب معها اتهامات بارتكاب مجازر وانتهاكات جسيمة، ما أدى إلى تصاعد الانتقادات الدولية والإقليمية.
ويرى كريغ أن السودان يشكل اختبارًا حاسمًا لاستراتيجية “محور الانفصاليين”، مشيرًا إلى أن كلفة الإبقاء على منظومة نفوذ تقوم على قوى شبه عسكرية آخذة في الارتفاع، وأن قدرة الإنكار تتراجع مع تزايد الضغوط وردود الفعل، بما في ذلك من داخل الخليج نفسه.
ويختتم بالقول إن الطرف القادر في نهاية المطاف على تحويل النفوذ إلى شرعية واستقرار طويل الأمد سيكون هو الطرف الذي سينجح فعليًا في كسب هذه “الحرب الباردة” الإقليمية.















