نتنياهو يتجه إلى واشنطن للضغط على ترامب بالتزامن مع محادثات أمريكية إيرانية

يتوجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن هذا الأسبوع لعقد اجتماع هو السابع له مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، في زيارة تأتي في توقيت حساس يتزامن مع استئناف المحادثات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.
وبحسب ما أفاد به موقع ميدل إيست آي، كان من المقرر في الأصل أن تتم زيارة نتنياهو إلى العاصمة الأمريكية في 19 فبراير/شباط، وهو اليوم الذي كان من المنتظر أن يستضيف فيه ترامب الاجتماع الافتتاحي لما يُعرف بـ“مجلس السلام”، الذي أُنشئ عقب اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
غير أن تسريع موعد الزيارة، وفق تقديرات مراقبين، قد يعكس محاولة من نتنياهو للضغط على الإدارة الأمريكية لتحقيق هدفه الاستراتيجي القديم، والمتمثل في دفع واشنطن نحو توجيه ضربات عسكرية لإيران، بما قد يفضي إلى تغيير النظام هناك، وذلك في ظل استئناف المحادثات الأمريكية الإيرانية المباشرة في سلطنة عُمان الأسبوع الماضي، والتي وصفها ترامب بأنها “جيدة للغاية”.
وقال غاي زيف، الخبير في الشؤون السياسية الإسرائيلية والأستاذ المشارك في الجامعة الأمريكية بواشنطن، لميدل إيست آي، إن إيران كانت ولا تزال “الشغل الشاغل الأول” لنتنياهو، متقدمة حتى على القضية الفلسطينية وغيرها من الملفات الإقليمية.
وأضاف زيف، في إشارة إلى الاتفاق النووي الإيراني المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة، أن نتنياهو “كان يتباهى بدوره في إقناع ترامب بالانسحاب من الاتفاق خلال ولايته الأولى”، معربًا عن قلقه من احتمال أن يميل الرئيس الأمريكي إلى دعم اتفاق جديد مع طهران.
وكان ترامب قد انسحب من الاتفاق النووي من جانب واحد عام 2018.
وأوضح زيف أن نتنياهو يسعى حاليًا إلى إقناع ترامب، على الأقل، بإدراج برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني ضمن أي اتفاق جديد، وهو الملف الذي لم يكن جزءًا من الاتفاق السابق، ويعتبره نتنياهو “خطًا أحمر” وتهديدًا وجوديًا لإسرائيل.
وشهدت محادثات يوم الجمعة مشاركة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى جانب المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، وبرفقة جاريد كوشنر، صهر ترامب، رغم عدم شغله أي منصب رسمي في الإدارة.
وفي خطوة غير مألوفة، أرسل ترامب أيضًا قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط إلى هذه المحادثات، في إشارة فُسّرت على أنها تذكير ضمني بأن الخيار العسكري ضد إيران لا يزال مطروحًا.
وقال تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي للحكم الرشيد، لميدل إيست آي، إن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بما فيها إدارة ترامب، واجهت دائمًا معضلة التوفيق بين المطالب الإسرائيلية والمصالح الأمريكية.
وأشار بارسي إلى ما وصفه بـ“البند السام” الذي طرحته إسرائيل الصيف الماضي، والمتمثل في اشتراط وقف إيران الكامل لتخصيب اليورانيوم كشرط لأي اتفاق، وهو ما اعتبره عقبة أساسية أمام التوصل إلى تفاهم أمريكي إيراني.
وأوضح أن الحرب التي استمرت 12 يومًا في يونيو/حزيران، وبدأت بضربات إسرائيلية على إيران، وأسفرت عن مقتل أكثر من 1100 إيراني، وانتهت بقصف أمريكي لثلاثة مواقع نووية إيرانية، منحت إسرائيل ورقة ضغط إضافية.
وأضاف بارسي أن إسرائيل باتت تضغط أيضًا لتقييد برنامج الصواريخ الإيراني، رغم إدراكها أن طهران ترفض هذا المطلب باعتباره جزءًا أساسيًا من قدرتها الردعية في مواجهة إسرائيل.
ووفق بارسي، ترك نتنياهو بصمته على توجهات ترامب بعد كل زيارة تقريبًا، مشيرًا إلى أن لقاءهما الأخير في فلوريدا أواخر ديسمبر/كانون الأول شهد تحولًا في خطاب ترامب، إذ بدأ يتحدث عن تقييد الصواريخ الإيرانية، بعدما كان تركيزه ينصب سابقًا على الملف النووي ووكلاء إيران الإقليميين.
البعد الإعلامي والداخلي
ولفت التقرير إلى أن للزيارة أبعادًا إعلامية داخلية مهمة بالنسبة لنتنياهو، إذ إن ظهوره إلى جانب الرئيس الأمريكي يعزز صورته لدى الجمهور الإسرائيلي، خاصة في ظل التأكيد المتكرر على متانة العلاقات العسكرية والاستخباراتية بين البلدين.
وقال زيف إن إسرائيل مقبلة على عام انتخابي، مع احتمال إجراء انتخابات مبكرة قبل موعدها الرسمي في أكتوبر/تشرين الأول، مشيرًا إلى أن مستقبل نتنياهو السياسي “على المحك”.
وأضاف أن ترامب لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة داخل إسرائيل، ما يجعل مجرد الظهور معه مكسبًا سياسيًا لنتنياهو.
كما رجّح زيف أن يكون نتنياهو قد سعى لتجنب الظهور إلى جانب شخصيات يعتبرها خصومًا لإسرائيل، مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، خلال اجتماع مجلس السلام.
وتساءل التقرير عما يمكن أن يقدمه مجلس السلام لغزة، خاصة في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية، التي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين إضافيين يوم الاثنين، ليرتفع عدد القتلى الذين تم التعرف على هوياتهم منذ إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول إلى 581 فلسطينيًا.
وبحسب وزارة الصحة في غزة، بلغ إجمالي عدد القتلى الفلسطينيين منذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما تبعها من حرب إسرائيلية على القطاع 72,032 قتيلًا، مع بقاء آلاف آخرين في عداد المفقودين.
وقال خالد الجندي، المستشار السابق للقيادة الفلسطينية، لميدل إيست آي، إن ترامب يهتم بالدرجة الأولى بالعناوين الإعلامية، وقد حصل بالفعل على ما يريده من خلال مجلس السلام واللجنة التكنوقراطية الفلسطينية.
وأضاف أن ترامب يعتبر المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار “تسير على نحو ممتاز”، رغم أن الواقع الميداني، بحسب الجندي، “مختلف تمامًا”، مشيرًا إلى أن المرحلة الأولى نفسها لم تُستكمل بعد.
الفلسطينيون خارج الحسابات
ورجّح التقرير أن يغادر نتنياهو واشنطن محققًا مكسبًا سياسيًا من إدارة ترامب، حتى لو لم يكن في الملف الإيراني، مرجحًا أن يكون ذلك على حساب الفلسطينيين، سواء في غزة أو الضفة الغربية المحتلة.
وأشار إلى أن المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي اتخذ مؤخرًا خطوات لتسهيل استيلاء المستوطنين على أراضٍ فلسطينية في الضفة الغربية، رغم أن الاستيطان غير قانوني بموجب القانون الدولي، ورغم تعهدات ترامب السابقة بعدم السماح بضم الضفة.
وقال بارسي إن ترامب قد يتمسك بموقفه تجاه إيران، مقابل تقديم تنازلات لنتنياهو في الملف الفلسطيني، معتبرًا أن ذلك لن يرضي نتنياهو على المدى البعيد.
من جهته، شدد الجندي على أن الضفة الغربية وغزة لا تحتلان أولوية حقيقية لدى إدارة ترامب، بخلاف إيران، معتبرًا أن الفلسطينيين “لا يشكلون قيمة استراتيجية” في حسابات واشنطن.
وأضاف أن قرارات ترامب غالبًا ما تتأثر برغبة في إرضاء قاعدته الشعبية، المنقسمة بين داعمين متحمسين لإسرائيل، وعلى رأسهم متبرعون نافذون، وفئة أخرى أكثر تشككًا في نوايا نتنياهو.
وختم الجندي بالقول إن سلوك ترامب في السياسة الخارجية يبقى “غير قابل للتنبؤ”، إذ لا يستند إلى إطار أيديولوجي ثابت، بل إلى حدسه وحساباته اللحظية.















