شبكات الظل: كيف تتحول ثروات أفريقيا المنهوبة إلى مليارات نظيفة في دبي؟

في عرض البحر، حيث لا رقابة ولا شهود، تبحر سفن “لا يُفترض أنها موجودة أصلاً”. تغلق أجهزة التتبع، تمحو هويتها، وتتنقل بين أسماء وشركات وهمية لنقل نفط خاضع للعقوبات ومعادن مجهولة المصدر وشحنات غامضة الوجهة.

هذه الشبكة البحرية المعروفة لدى خبراء الملاحة باسم “الأسطول المظلم” تنمو بصمت داخل صناعة الشحن العالمية، وتشير تقارير دولية متزايدة إلى أن جزءاً مهماً من مساراتها ينتهي في الإمارات، وتحديداً في دبي.

خلال السنوات الأخيرة، وثّق محققون متخصصون في تتبع العقوبات تقاطعات متكررة بين عناصر من هذا الأسطول وتجار وشركات تعمل من داخل الإمارات. أحدث هذه الملفات يتعلق بشحنة ضخمة تُقدّر بنحو ألف طن من اليورانيوم بقيمة 250 مليون دولار في النيجر، صادرتها السلطات العسكرية بعد تأميم أصول شركة أورانو الفرنسية.

وبحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز، أبدت شركة إماراتية تُدعى “أكسيا باور” اهتماماً بشراء الشحنة، رغم غموض نشاطها وحداثة تأسيسها. ويثير وجود مسؤول سابق من شركة روساتوم الروسية ضمن إدارتها شكوكاً حول الجهة النهائية المحتملة للصفقة.

ويرى خبراء أن أي مشترٍ تقليدي سيواجه دعاوى قانونية فورية من فرنسا، ما يجعل بيع الشحنة ممكناً فقط عبر وسطاء أو دول مستعدة لمواجهة تبعات سياسية وقانونية كبيرة.

القصة لا تقتصر على اليورانيوم. تقارير منظمات دولية تشير إلى أن كميات هائلة من الذهب الأفريقي — القانوني والمهرب — تمر عبر دبي. فقد حذّرت منظمة سويس-إيد من أن تجارة الذهب المرتبطة بالنزاعات، خصوصاً في السودان، تجد منفذاً رئيسياً عبر الإمارات.

كما أكد مركز الأبحاث البريطاني تشاتام هاوس أن تجارة الذهب التي تُقدّر بمليارات الدولارات تُسهم في تمويل الحرب هناك. وفي المقابل تنفي أبوظبي باستمرار الاتهامات الدولية بدعم أطراف النزاع.

تحقيق لمنظمة “ذا سنتري” ربط أيضاً شركات مقرها دبي بغسل الذهب السوداني لصالح ممولي قوات الدعم السريع. وبين عامي 2022 و2024 أدرجت مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) الإمارات على “القائمة الرمادية” بسبب مخاطر التدفقات المالية غير المشروعة المرتبطة بسوق الذهب.

229 طناً مفقوداً من ذهب غانا

في غانا، كشف تقرير آخر لـ“سويس-إيد” فجوة صادمة بين صادرات الذهب والواردات العالمية بلغت 229 طناً خلال خمس سنوات فقط — بقيمة 11.4 مليار دولار — انتهى معظمها في دبي.

وتشير التحقيقات إلى أن الذهب يُهرّب غالباً عبر توغو أو بوركينا فاسو وصولاً إلى مالي قبل نقله جواً إلى الخليج. وبحسب رويترز، وصف مسؤول غاني النتائج بأنها “حقيقة معروفة”.

وتقدّر تقارير أممية أن التعدين غير الرسمي يؤمّن سبل العيش لأكثر من 10 ملايين شخص في أفريقيا جنوب الصحراء، لكنه أصبح أيضاً قناة رئيسية لتمويل الجريمة المنظمة والنزاعات المسلحة.

لا تقتصر التدفقات على الموارد الطبيعية. دراسة من جامعة أكسفورد أظهرت أن النخب الأفريقية تنقل أموالها بشكل متزايد إلى مراكز مالية آسيوية مثل سنغافورة وهونغ كونغ — مع بروز دبي كأكثر الوجهات ارتباطاً بالقارة.

وتقدّر الأمم المتحدة خسائر أفريقيا من تهريب رؤوس الأموال بأكثر من 88 مليار دولار سنوياً، وهو نزيف يفاقم الأزمات الاقتصادية ويحدّ من فرص التنمية.

النفط الروسي… منظومة التفاف عالمية

على مستوى الطاقة، كشفت تحقيقات حديثة أن شبكات شركات مقرها الإمارات تلعب دوراً محورياً في تجارة النفط الروسي الخاضع للعقوبات. فقد توصل تحقيق لـ“فايننشال تايمز” إلى شبكة تضم عشرات الشركات المرتبطة تقنياً وإدارياً، صدّرت نفطاً تتجاوز قيمته 90 مليار دولار.

وتشمل آليات الالتفاف استخدام “الأسطول المظلم”، وتغيير ملكيات السفن، وإعادة تصنيف النفط لإخفاء منشئه بعد العقوبات على شركات مثل روسنفت ولوك أويل.

مركز عالمي… أم بوابة للثروات الرمادية؟

تكشف هذه الوقائع المتشابكة صورة لنظام اقتصادي عابر للحدود، تتداخل فيه التجارة المشروعة مع التدفقات غير القانونية، حيث تتحول الموارد المنهوبة والعقوبات الدولية والنزاعات المسلحة إلى صفقات مربحة داخل مراكز مالية مزدهرة.

وفي قلب هذا المشهد، تبدو دبي — بالنسبة لمنتقديها — نقطة التقاء بين ثروات أفريقيا المفقودة وأسواق العالم، بينما تصر السلطات الإماراتية على التزامها بالقوانين الدولية ومكافحة غسل الأموال.

المصدر
إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى