أبوظبي تكثف الرصد البيئي لحماية المياه وسط تحديات الاستنزاف والتغير المناخي

تكثف أبوظبي جهودها لمراقبة مواردها البيئية والمائية، مع توسيع برامج الرصد لتشمل المياه الجوفية والبيئة البحرية وجودة الهواء والتنوع البيولوجي، في إطار توجه يعتمد بصورة متزايدة على البيانات والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمخاطر قبل تفاقمها.
وتأتي هذه الجهود بالتزامن مع مرور 30 عاماً على تأسيس هيئة البيئة في أبوظبي، التي تستعرض حصيلة برامجها البيئية في وقت تواجه فيه الإمارة تحديات متزايدة تتعلق بندرة المياه الجوفية والضغوط على البيئة البحرية والنمو العمراني والصناعي وتداعيات التغير المناخي.
وقالت الأمينة العامة لهيئة البيئة في أبوظبي، الدكتورة شيخة سالم الظاهري، إن حماية الموارد الطبيعية لم تعد تقتصر على الاستجابة للمشكلات بعد وقوعها، وإنما تتجه نحو بناء أنظمة قادرة على التنبؤ بالمخاطر من خلال التكنولوجيا والبيانات المتراكمة على مدى عقود.
وتبرز المياه الجوفية باعتبارها أحد أكثر الملفات حساسية، إذ سجلت الهيئة نحو 118 ألف بئر في مختلف أنحاء الإمارة، إلى جانب تركيب مئات آبار المراقبة لمتابعة عمليات الاستخراج وجودة المياه.
وأكدت الظاهري أن هذا المورد محدود، وأن استمرار السحب منه يؤدي بصورة مباشرة إلى تراجعه، ما يفرض تطوير أساليب أكثر كفاءة في استخدام المياه، خصوصاً في القطاع الزراعي.
وفي هذا السياق، عملت الهيئة مع جهات أخرى على تطوير أدوات تساعد المزارعين في تحديد الاحتياجات الفعلية للمحاصيل من المياه، في محاولة للحد من الهدر وتسريع البحث عن موارد بديلة.
وتتزامن الأولوية المتزايدة للمياه الجوفية مع توسيع نطاق الرصد البحري، بعدما تحولت البيئة الساحلية إلى محور رئيسي لبرامج الحماية وإعادة التأهيل. وتؤكد البيانات التي نشرتها هيئة البيئة أن الإجراءات التنظيمية التي فرضت على بعض وسائل الصيد ساهمت في تحسين مؤشرات الاستدامة السمكية بصورة كبيرة، بعد سنوات من الاستنزاف الذي شكل تهديداً لمخزونات الأسماك التجارية.
وأوضحت الظاهري أن برامج الرصد بدأت بمتابعة تفصيلية لكميات وأنواع الأسماك التي يتم إنزالها في الموانئ، ومواقع الصيد والمعدات المستخدمة ومدد الرحلات البحرية، قبل أن تقود النتائج إلى فرض قيود على بعض أنواع الشباك ومصائد الغرغور.
وأظهرت هذه الإجراءات، تحولاً ملحوظاً في مؤشرات الاستدامة، إذ ارتفعت نسبة المخزونات السمكية التي يجري استغلالها ضمن مستويات مستدامة من مستويات متدنية عام 2018 إلى مستويات مرتفعة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما اعتبرته الهيئة نتيجة مباشرة لسياسات الإدارة القائمة على البيانات العلمية والتعاون مع الصيادين.
وامتدت عمليات الحماية إلى الأنظمة البحرية الأخرى، بما في ذلك أشجار القرم والشعاب المرجانية وموائل الكائنات البحرية.
وأطلقت هيئة البيئة خلال الفترة الأخيرة مرصداً رقمياً لمتابعة عمليات إعادة تأهيل غابات القرم باستخدام البيانات الميدانية وصور الأقمار الصناعية، بهدف قياس نجاح عمليات الاستعادة البيئية على المدى الطويل، بدلاً من الاكتفاء بحساب أعداد الأشجار المزروعة.
كما يواصل برنامج إعادة تأهيل الشعاب المرجانية استخدام المراقبة الميدانية والتقنيات الحديثة لمتابعة صحة الشعاب والتنوع البحري، في بيئة خليجية توصف بأنها من أكثر البيئات البحرية صعوبة بسبب ارتفاع درجات الحرارة والملوحة.
وتواجه أبوظبي، في الوقت نفسه، ضغوطاً مرتبطة بالتوسع العمراني والصناعي ووجود منشآت الطاقة والتحلية على امتداد مناطق ساحلية واسعة، الأمر الذي يجعل الرصد البيئي المستمر جزءاً أساسياً من عملية منح التراخيص ومتابعة الالتزام بالشروط البيئية.
وأنشأت الإمارة شبكة لمتابعة جودة الهواء تسمح برصد مصادر الانبعاثات وقياس مستويات الملوثات. إلا أن الظاهري أشارت إلى أن بعض التحديات لا يمكن التعامل معها محلياً فقط، خصوصاً التلوث العابر للحدود، الذي يتطلب تعاوناً إقليمياً أوسع.
وفي المرحلة المقبلة، تراهن أبوظبي على الانتقال من نموذج الاستجابة إلى نموذج التنبؤ، مستفيدة من عقود من البيانات المتعلقة بالمياه الجوفية وجودة الهواء والبيئة البحرية والتنوع البيولوجي. وتستخدم الهيئة تطبيقات للذكاء الاصطناعي لتحليل المعلومات ورصد التغيرات المحتملة في جودة المياه البحرية وصحة الشعاب المرجانية والمخزونات السمكية قبل تحولها إلى أزمات بيئية أكبر.
كما يشمل التوجه البيئي ملف النفايات والاقتصاد الدائري، مع خطط أوسع لتقليص الاعتماد على مكبات النفايات وزيادة إعادة التدوير واستعادة الموارد، في وقت تستهدف فيه الإمارة تحويل نسبة كبيرة من النفايات بعيداً عن المدافن خلال السنوات المقبلة.
وتبرز قضية الأمن المائي باعتبارها أحد أهم دوافع هذا التحول، خاصة في منطقة تعاني أصلاً من شح الموارد الطبيعية وارتفاع الطلب على المياه. ولهذا تعمل أبوظبي أيضاً على تعزيز احتياطياتها الاستراتيجية من المياه ووضع خطط طوارئ لحماية الموارد المائية والبيئية في حالات الأزمات أو انقطاع الإمدادات التقليدية.
ويعكس هذا التوجه تحولاً في فلسفة الإدارة البيئية من التعامل مع الطبيعة باعتبارها مورداً متاحاً بلا حدود إلى اعتبارها أساساً للاستقرار الاقتصادي والأمن الغذائي والمائي.
وبينما تستعرض هيئة البيئة حصيلة ثلاثة عقود من العمل، يبدو أن التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة سيكون قدرة أنظمة الرصد والذكاء الاصطناعي على مواكبة الضغوط المتزايدة التي يفرضها تغير المناخ والنمو السكاني والاستهلاك المرتفع للموارد.















