اكتشاف زنبق ماء عملاق في كولومبيا بعد صورة على إنستغرام

أعلن باحثون عن اكتشاف نوع جديد من زنابق الماء العملاقة في غابات كولومبيا المطيرة، وهو نبات نادر يمكن رؤيته من الفضاء، مما يجعله واحداً من أبرز الاكتشافات البيولوجية في السنوات الأخيرة. يأتي هذا الإعلان عقب رحلة استكشافية طويلة بدأت بصورة عابرة على منصة إنستغرام، وأدت إلى تحديد موقع نبات لم يكن معروفاً سابقاً للعلم، وسط تحذيرات من خطر انقراضه السريع نظراً لقلة أعداده في البرية.
يصل قطر أوراق هذا النوع الجديد من الزنابق إلى نحو ثلاثة أمتار، وتتميز بقوتها بحيث تستطيع حمل وزن طفل صغير دون أن تغرق تحت ثقله. يُعد هذا النبات من أقدم النباتات المزهرة التي بقيت على سطح الأرض منذ ما قبل انفصال القارات، وقد حظي بحضور تاريخي في ثقافات متعددة، بدءاً من المصريين القدماء وصولاً إلى لوحات الرسام الفرنسي كلود مونيه، لكنه يواجه اليوم تهديداً وجودياً حقيقياً.
بدأت قصة الاكتشاف قبل ثلاث سنوات عندما صادف كارلوس ماغدالينا، الخبير المتخصص في زنابق الماء بالحدائق النباتية الملكية في كيو، صورة التقطها جيريميا هاريس لشخص يسبح بين أوراق ضخمة في نهر إينيريدا بمنطقة غواينيا الكولومبية. ظن هاريس آنذاك أن النبات ينتمي إلى النوع الشائع المعروف بـفيكتوريا أمازونيكا، لكن ماغدالينا شكك في صحة هذا الافتراض فوراً، إذ إن هذا النوع لا يظهر بشكل طبيعي في تلك المنطقة الجغرافية المحددة.
بعد هذا التشكيك العلمي الدقيق، بدأ فريق البحث عملية تواصل مكثفة، تلتها سنوات من التحليل الدقيق لصور الأقمار الاصطناعية، وسعي حثيث لتأمين التمويل والتصاريح الرسمية اللازمة للوصول إلى الموقع المعزول. تضمنت هذه المرحلة تعاوناً وثيقاً مع فرق من الحدائق النباتية في العاصمة بوغوتا، بالإضافة إلى مشاركة أعضاء من المحميات الأصلية لضمان سلامة العملية وشرعيتها.
انتهت الرحلة الاستكشافية داخل الغابة المطيرة بالعثور الفعلي على النوع الجديد، والذي أكدته ورقة بحثية نُشرت في مجلة Phytotaxa العلمية بأنه نوع غير موصوف سابقاً. وتم إطلاق الاسم العلمي فيكتوريا كولومبيانا عليه، ليضاف إلى قائمة الأنواع النباتية المعروفة عالمياً، محققاً إنجازاً علمياً كبيراً في تصنيف النباتات المائية العملاقة.
يقدر الباحثون عدد أفراد هذا النوع الجديد في البرية بما يتراوح بين 30 و50 نبتة فقط، وهي أرقام ضئيلة تجعله نادراً للغاية ومعرضاً لخطر الانقراض المباشر. ويؤكد مارتن كريستنهوسز، عالم التصنيف، أن اكتشاف أنواع جديدة أمر متكرر في المجال العلمي، لكن قلة منها تحمل هذا القدر من الحجم الهائل والأبهة البصرية والرمزية الثقافية، مما يميز هذا الاكتشاف عن غيره.
ويشير كريستنهوسز إلى إمكانية رؤية هذا الزنبق من الفضاء، في تذكير صارخ بمدى الجهل الذي لا يزال يحيط بالحياة على كوكب الأرض، وكم من الكنوز الطبيعية لا تزال مختبئة في أعماق الأدغال بعيداً عن أنظار العلماء. يمثل هذا الرمز الطبيعي تحدياً كبيراً يتطلب جهوداً فورية لحماية ما تبقى منه.
يعمل الفريق العلمي حالياً على إدراج النوع الجديد ضمن القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، وهي خطوة ضرورية لجذب الانتباه العالمي والحماية القانونية للنبات. تتزامن هذه الخطوة مع إطلاق جهود طويلة الأمد تهدف إلى حماية البيئة الطبيعية للنوع وضمان بقائه واستمراره في موطنه الأصلي.
تشكل هذه الجهود جزءاً من استراتيجية شاملة للحفاظ على التنوع البيولوجي في منطقة غواينيا، التي تعد واحدة من أكثر المناطق تنوعاً بيئياً في العالم. يركز الباحثون الآن على مراقبة أعداد النباتات المتبقية وفهم احتياجاتها البيئية الدقيقة لضمان عدم اختفائها قبل اكتمال دراسات الحماية.
تعكس هذه القصة كيف يمكن للتكنولوجيا الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي أن تلعب دوراً محورياً في التقدم العلمي، حيث ساهم نشر صورة بسيطة في توجيه مسار بحث علمي دقيق أدى إلى اكتشاف نوع جديد. يبرز هذا الحدث أهمية التعاون بين الخبراء والمواطنين في رصد التغيرات البيئية واكتشاف الكائنات الحية.
تظل زنابق الماء العملاقة رمزاً للحياة القديمة والقوية، وقصتها الجديدة في كولومبيا تضيف فصلاً جديداً إلى تاريخها الطويل. يسعى العلماء الآن إلى تحويل هذا الاكتشاف إلى فرصة حقيقية للحفاظ على هذا التراث الطبيعي، بدلاً من أن يكون مجرد ذكرى تختفي مع الزمن.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار الوطن الخليجية.















