اتفاق الذكاء الاصطناعي الأمريكي-السعودي: تكنولوجيا في خدمة القمع

في تطور يثير العديد من التساؤلات الأخلاقية والسياسية، أعلنت الولايات المتحدة، عبر إدارة دونالد ترامب، عن اتفاق غير مسبوق مع المملكة العربية السعودية لتزويدها بآلاف الرقاقات المتقدمة المستخدمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ووفقاً للتفاصيل المُعلنة، ستقوم شركة “نفيديا” العملاقة بتزويد شركة “هيومن” السعودية، المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة، بـ18,000 رقاقة من طراز Blackwell GB300، وهي من بين أكثر الرقاقات تطوراً في العالم.

والاتفاق الذي رُوّج له باعتباره نقلة نوعية في شراكات التكنولوجيا بين واشنطن والرياض، يحمل في طياته ما هو أبعد من مجرد التعاون التجاري، ويطرح أسئلة مقلقة حول مسار الذكاء الاصطناعي في أيدي أنظمة استبدادية.

التكنولوجيا والأنظمة غير الديمقراطية: خلطة خطرة

لطالما مثّلت الأنظمة السلطوية، وعلى رأسها السعودية، بيئات خصبة لاستخدام التكنولوجيا لأغراض المراقبة والسيطرة.

فالدولة التي راكمت خبرات في التجسس الرقمي على المعارضين في الداخل والخارج، لا تخفي طموحاتها في توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز سلطتها، سواء من خلال تطوير قدرات التعرف على الوجه، أو تحليل البيانات السلوكية، أو مراقبة الحيز الرقمي للسكان.

ومن هنا، لا يمكن فصل هذا الاتفاق الجديد عن البيئة السياسية الحاضنة له، التي تتسم بانعدام الشفافية والمساءلة، وانتهاك واسع للحقوق الرقمية والخصوصية.

الرياض، منذ سنوات، تسعى لإعادة تقديم نفسها كقوة تكنولوجية إقليمية، في إطار “رؤية 2030” التي أطلقها محمد بن سلمان. لكن هذا التوجه الاقتصادي الطموح لا يصاحبه إصلاح سياسي حقيقي، بل يُستخدم ستارًا لتغليف نظام بوليسي بواجهات رقمية براقة.

ومع الاتفاق الجديد، تُمنح السعودية أدوات تكنولوجية فائقة، من دون أي ضمانات لاستخدامها في إطار قانوني أو حقوقي واضح.

رقاقات “نفيديا”: تسليح البيانات

رقاقات GB300 من شركة “نفيديا” لا تُستخدم فقط في مراكز البيانات أو توليد النصوص، بل هي أساس لبنية تحتية متكاملة قادرة على تحليل الصور، والتعرف على الأنماط، وتركيب البيانات الضخمة بصورة فورية.

وهذا يجعلها عنصراً أساسياً في تطوير أدوات مراقبة قائمة على الذكاء الاصطناعي، أكثر تطورًا من تلك المتاحة حالياً في معظم دول المنطقة.

هذه القدرات الهائلة، حين تُمنح لنظام لا يحترم حقوق الإنسان ولا توجد فيه سلطة قضائية مستقلة أو مجتمع مدني حر، تتحول إلى أدوات قمعية محتملة. فبإمكان السلطات، مثلاً، استخدام تقنيات التعرف على الوجوه لتعقب المعارضين، ودمجها مع منصات رصد وتحليل المحتوى على الإنترنت لتحديد أنماط السلوك والتعبير، وصولاً إلى تصنيف الأفراد وفقاً لمواقفهم السياسية أو الدينية.

غياب الأطر التنظيمية: تعمّق الفوضى الرقمية

السعودية لا تملك حتى الآن تشريعات حقيقية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي.

ومع أن وزارة الاتصالات أصدرت “إرشادات أخلاقية” غير ملزمة عام 2022، إلا أن هذه الوثائق لا ترتقي إلى مستوى القوانين، ولا تُخضع الدولة لأي نوع من الرقابة أو المحاسبة في هذا المجال.

فبدلاً من بناء نظام قانوني لحماية المواطنين من إساءة استخدام التكنولوجيا، تواصل السلطات نهج “اللا تنظيم” بهدف جذب الاستثمارات وتطمين الشركات العالمية بأن لا قيود ستُفرض على عملياتها.

هذا الفراغ التشريعي هو بالضبط ما يجعل السعودية بيئة محفوفة بالمخاطر عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا الحساسة. فغياب الضوابط لا يعني انعدام الاستخدام، بل يعني الاستخدام المفرط وغير الخاضع لأي مساءلة.

التجربة السابقة: من بيغاسوس إلى الذكاء الاصطناعي

من المفيد تذكّر أن السعودية كانت من أوائل الدول التي استخدمت برمجيات تجسس مثل “بيغاسوس” لاستهداف معارضين وصحفيين، ليس داخل حدودها فقط، بل في دول أخرى.

وقد ثبت تورطها في التجسس على معارضين في كندا وأوروبا، بل واستُخدمت هذه الأدوات ضمن الحملة التي أفضت إلى اغتيال الصحفي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول.

اليوم، ومع دخول الذكاء الاصطناعي على خط الأدوات الأمنية، فإن القدرات التقنية السعودية تتوسع بشكل كبير، مدعومة من حليف دولي قوي، دون أي اعتراف رسمي أو شعبي بمخاطر ذلك.

لا يبدو أن واشنطن، رغم خطابها الرسمي حول حقوق الإنسان، تكترث لطبيعة استخدام هذه التكنولوجيا، ما دامت الصفقات مربحة، والأسواق واعدة، والمصالح الاستراتيجية محفوظة.

الولايات المتحدة تغضّ الطرف

ما يثير القلق في هذا الاتفاق هو أنه يُعد تراجعاً واضحاً عن توجهات سابقة اتخذتها الإدارة الأمريكية تحت حكم جو بايدن، والتي حاولت فرض قيود على تصدير التكنولوجيا المتقدمة إلى دول تُعتبر غير مستقرة سياسياً أو منتهكة للحقوق.

لكن مع تغير الإدارة، عاد الخطاب التجاري والأمني ليطغى على المبادئ الحقوقية، ما سمح بإعادة تدفّق التكنولوجيا المتقدمة إلى أنظمة قمعية مثل السعودية، دون مساءلة.

هذا التغير لا يُفهم إلا في سياق أوسع من إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث يتقدّم عامل احتواء النفوذ الصيني وتحصين الشراكات الاقتصادية على ما عداه، حتى لو كان الثمن هو تمكين أنظمة سلطوية من أدوات سيطرة رقمية فائقة.

مراكز البيانات ومراكز التحكم

التحوّل المرتقب في السعودية نحو بناء مراكز بيانات عملاقة يُفترض أن يجعل من المملكة مركزًا إقليميًا للذكاء الاصطناعي. لكنّ هذه “المراكز” لا تُبنى فقط لمعالجة البيانات التجارية أو البحثية، بل قد تتحوّل إلى منصات مراقبة وتحليل وتحكم اجتماعي واسع النطاق.

فهذه المراكز قادرة على إدارة كمٍّ هائل من البيانات الشخصية، سواء كانت صورًا، محادثات، تحركات، أو تفاعلات رقمية. وبتكامل هذه البنية مع الأجهزة الأمنية، سنكون أمام نموذج جديد من “الدولة التكنولوجية الشمولية”، حيث تُدار المجتمعات عبر خوارزميات، ويُراقب الأفراد بشكل شبه كامل، ويُحدّد مصيرهم بناء على مؤشرات رقمية.

التكنولوجيا ليست محايدة

في النهاية، لا يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي أداة محايدة. فطريقة استخدامه تحدّد إن كان سيُسهم في التقدّم أو في التراجع الحقوقي. وفي السياق السعودي، كل المؤشرات تدل على أن هذه التكنولوجيا ستُستخدم لتعزيز السيطرة والقمع، لا للابتكار والعدالة.

الاتفاق الأمريكي-السعودي الأخير لا يمثل فقط تحولاً تجارياً، بل هو لحظة سياسية فاصلة تُعبّر عن مدى تراجع القيم الحقوقية في السياسة الدولية لصالح المصالح الاقتصادية والأمنية.

وفي غياب أطر رقابية داخلية أو ضغوط خارجية جادة، فإن الذكاء الاصطناعي في السعودية يُخشى أن يتحول إلى أداة قمع رقمي ممنهج، قد تُصدَّر أيضًا إلى دول أخرى تسير على النهج ذاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى