سوسن البهيتي… صوت الأوبرا السعودية الذي كسر المستحيل

تُعدّ سوسن البهيتي واحدة من أبرز الأصوات التي ساهمت في تشكيل ملامح النهضة الثقافية السعودية الحديثة. وبصفتها أول مغنية أوبرا محترفة في المملكة، شقّت طريقًا غير مسبوق، وقدّمت عروضًا على مسارح عالمية في لندن وبرلين، إلى جانب مشاركات لافتة داخل المملكة في الرياض والعلا ومدن أخرى، لتؤسس مسارًا كان يُنظر إليه طويلًا على أنه بعيد المنال، خصوصًا للمرأة السعودية.

بدأت البهيتي رحلتها مع الأوبرا عام 2008، ومنذ ذلك الحين طوّرت أدواتها الفنية وأتقنت الغناء بعدة لغات، من بينها الإيطالية والفرنسية والألمانية والإنجليزية، ما أتاح لها أداء طيف واسع من الأعمال الكلاسيكية العالمية. وبفضل مزيج من الانضباط والموهبة، تحولت إلى مصدر إلهام لجيل جديد من الشابات السعوديات، وحرصت على توظيف مكانتها لدعم المواهب الصاعدة ومساعدتها على تحقيق إمكاناتها.

وفي حديثها لصحيفة عرب نيوز، تؤكد البهيتي شغفها بالتدريب الصوتي، قائلة إنها تستمتع بتدريب المغنين على اختلاف مدارسهم الموسيقية، سواء في الأوبرا أو البوب أو الغناء العربي. وترى في متابعة تطور الأصوات وصقل المهارات تجربة ثرية تشكل جزءًا أساسيًا من رسالتها الفنية.
وتشير إلى أن العمل مع الطلاب لا ينعكس فقط على تطورهم، بل يسهم أيضًا في نموها الشخصي والمهني، إذ تقول إن كل مغنٍّ تدربه يمنحها فرصة للتأمل في قدراتها وفهم أعمق لكيفية الإلهام والقيادة الفنية.
وتكشف سوسن البهيتي عن قرب صدور كتاب لها باللغة العربية يتناول التدريب الصوتي، موضحة أن المحتوى العربي المتخصص في هذا المجال لا يزال محدودًا، وأنها شعرت بمسؤولية مهنية وأخلاقية لتقديم مرجع عربي يسهم في سد هذه الفجوة.
وكان للسفر دور محوري في تشكيل تجربتها الفنية، حيث تركت بعض المدن أثرًا عميقًا في مسيرتها، وعلى رأسها روما التي أقامت فيها قرابة عام. وتصف المدينة بأنها غنية بالتاريخ والفنون، لا سيما الموسيقى والأوبرا، مؤكدة أن الدراسة في المعاهد نفسها التي تخرّج فيها كبار فناني الأوبرا، والتعرف على قصصهم وإرثهم، غيّر علاقتها بهذا الفن إلى الأبد.

وعلى الصعيد المحلي، تحظى العلا بمكانة خاصة في وجدان البهيتي، إذ ترى فيها تجسيدًا حيًا للثقافة السعودية، ومزيجًا فريدًا من التراث والحداثة، ما ترك أثرًا واضحًا على رؤيتها الفنية ونظرتها الشاملة للإبداع.
ورغم حضورها الهادئ والمتزن على خشبة المسرح، الذي قد يوحي بالجدية المفرطة، تؤكد البهيتي أن هذه الصورة لا تعكس شخصيتها الحقيقية بالكامل. فهي تصف نفسها بأنها شابة مرحة تحب الحياة والاستمتاع والرقص.
وتقول إن يومها المثالي، بعيدًا عن العروض والبروفات، يتمثل في قضاء الوقت مع العائلة والأصدقاء، والتنزه مع كلبها الصغير من سلالة المالطي شيه تزو، الذي أطلقت عليه اسم “لاكي”. وتنتمي سوسن البهيتي إلى عائلة كبيرة، فهي أصغر إخوتها السبعة، وكان لبعضهم دور في تشكيل ذائقتها الموسيقية في بداياتها، رغم أن مساراتهم المهنية اتجهت إلى مجالات أخرى.
واليوم، يبدو أن قرارها بمواصلة طريق الموسيقى قد أثمر، في ظل الاهتمام المتزايد الذي توليه قيادة المملكة لتطوير المشهد الثقافي. وقد تجلى ذلك مؤخرًا في تعاونها مع مركز طارق عبد الحكيم بمناسبة اليوم الوطني السعودي، حيث قدمت النشيد الوطني في ساحة المركز بحي البلد التاريخي في جدة، المدينة التي وُلدت فيها، لتؤكد حضورها كإحدى أبرز الوجوه الفنية في المشهد الثقافي السعودي المعاصر.















