ضغوط أمريكية على السعودية لتمويل مجلس السلام الأمريكي في غزة

مارست الولايات المتحدة ضغوطاً على المملكة العربية السعودية للإفراج عن مليار دولار تعهدت بها لصالح “مجلس السلام” الذي أنشأته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإدارة قطاع غزة بعد الحرب، وسط تصاعد التحفظات الخليجية والفلسطينية على طبيعة المجلس والدور الإسرائيلي في تشكيله.
وكشفت مصادر أمريكية وعربية أن أرييه لايتستون، أحد كبار المسؤولين الأمريكيين المشرفين على التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب في غزة، زار السعودية خلال أبريل الماضي، حيث التقى وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان لبحث التعهد المالي السعودي الذي قدمته الرياض للمجلس في فبراير الماضي.
ويُعد لايتستون، وهو حاخام أمريكي وحليف مقرب من جاريد كوشنر صهر ترامب، أحد أبرز الشخصيات التي اختارتها إدارة ترامب لرسم مستقبل غزة بعد الحرب، إلى جانب رجال أعمال إسرائيليين ومستشارين مقربين من حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وبحسب المعلومات، يضم “مجلس السلام” مجموعة من التكنوقراط الفلسطينيين الذين وافقت عليهم إسرائيل لإدارة الشؤون اليومية داخل قطاع غزة، إلا أن السعودية تسعى إلى توسيع التمثيل الفلسطيني داخل المجلس وتقليص الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية على قراراته.
ويضم المجلس أكثر من 25 دولة، لكن مسؤولين غربيين وعرباً أكدوا أن تمويله يعتمد بشكل أساسي على دول الخليج، في حين خصصت إدارة ترامب 10 مليارات دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لدعم المشروع.
وتأتي الضغوط الأمريكية على السعودية في وقت تعمل فيه الرياض أيضاً على الإفراج عن نحو 5 مليارات دولار من أموال الضرائب الفلسطينية التي تحتجزها إسرائيل، بهدف دعم السلطة الفلسطينية التي تواجه أزمة مالية خانقة.
وقال مسؤول إقليمي إن السعودية تفضّل الضغط على إسرائيل للإفراج عن الأموال الفلسطينية المجمدة بدلاً من تقديم دعم مالي جديد للسلطة دون تنفيذ إصلاحات حقيقية داخل مؤسساتها.
ورغم عدم وضوح ما إذا كانت الرياض تربط بين ملف أموال السلطة الفلسطينية وتمويل “مجلس السلام”، فإن التردد السعودي يعكس مخاوف متزايدة من الانخراط في مشروع يُنظر إليه فلسطينياً وعربياً باعتباره محاولة أمريكية إسرائيلية لإعادة هندسة قطاع غزة سياسياً وأمنياً بعد الحرب.
وبحسب المعلومات، كان لايتستون ومستشارون أمريكيون آخرون يقيمون حتى أواخر العام الماضي في فنادق فاخرة بمدينة تل أبيب أثناء إعداد خطط ما بعد الحرب في غزة.
وكشفت تقارير أمريكية أن بعض تلك الخطط تضمنت إنشاء مناطق سكنية للفلسطينيين “المختارين” داخل مناطق خاضعة لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي، فيما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، إلى جانب مشاريع لتحويل غزة إلى مركز تكنولوجي ضخم مرتبط بالذكاء الاصطناعي.
وأثارت هذه الخطط انتقادات واسعة، حيث اعتبرها ناشطون وخبراء غطاءً لمشاريع تهجير وتطهير عرقي بحق الفلسطينيين، ومحاولة لإعادة تشكيل المجتمع الغزي وفق رؤية أمريكية إسرائيلية جديدة.
وتواصل إسرائيل حربها على قطاع غزة منذ هجمات السابع من أكتوبر 2023، وسط اتهامات دولية متزايدة بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب بحق الفلسطينيين.
وأسفرت الحرب حتى الآن عن قتل أكثر من 72 ألفاً و500 فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال، فيما دمرت الهجمات الإسرائيلية نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية في القطاع.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر 2025، واصلت إسرائيل شن غارات وهجمات متكررة على غزة، ما أدى إلى قتل أكثر من 850 فلسطينياً منذ بدء الهدنة، في وقت تستمر فيه القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار.
وفي فبراير الماضي، تعهدت السعودية وقطر والكويت والإمارات بتقديم أكثر من 4 مليارات دولار لدعم “مجلس السلام”، إلا أن تدفق الأموال ظل محدوداً حتى الآن.
وبحسب التقارير، بدأت الإمارات، التي تُعد أقرب الحلفاء العرب لإسرائيل، بتمويل بعض مشاريع المجلس، بما في ذلك تخصيص 100 مليون دولار لقوة شرطة فلسطينية مدعومة أمريكياً وإسرائيلياً.
لكن السعودية ودولاً عربية أخرى لا تزال متحفظة على آلية التمويل وطبيعة المجلس وأهدافه السياسية، خاصة مع غياب توافق فلسطيني حوله.
وكشفت وكالة “رويترز” أن المجلس يواجه فجوة كبيرة بين التعهدات المالية والمبالغ التي جرى تحويلها فعلياً، رغم إعلان تعهدات بلغت 17 مليار دولار في فبراير الماضي.
وجاء في تقرير قُدم إلى مجلس الأمن الدولي أن “الفجوة بين الالتزامات المالية والصرف الفعلي يجب سدها بشكل عاجل”.
ويرأس ترامب ما يسمى بـ”مجلس السلام”، بينما يدير عملياته التنفيذية الدبلوماسي الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، الذي كان يعمل في أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في الإمارات قبل تعيينه في هذا المنصب.















