هكذا سقط مادورو .. تفاصيل عملية “العزم المطلق”

يكشف هذا التقرير تفاصيل مداهمة اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، التي نُفذت عبر عملية مباغتة سبقتها أشهر طويلة من الرصد والتحضير الدقيق، شملت تتبع تحركاته عن كثب، وحشد طائرات ووحدات نخبوية لتنفيذ إنزال خاطف في قلب العاصمة كراكاس.

وفي رواية تفصيلية أعدّها إيلين ناكاشيما وأليكس هورتون ووارن بي. ستروبل وتارا كوب ودان لاموث، تتضح كلفة العملية العسكرية وتداعياتها السياسية والقانونية، إضافة إلى الأسئلة المفتوحة حول ما قد تعنيه هذه الخطوة لمستقبل فنزويلا ولدور الولايات المتحدة في المنطقة.

في ليلة رأس السنة، كانت وحدات كوماندوز نخبوية من الجيش الأمريكي في حالة تأهّب في منطقة الكاريبي، تستعد لاقتحام منزل محصّن ومدرّع في كراكاس بهدف اعتقال مادورو وزوجته. غير أن الظروف الجوية لم تكن مواتية، ما دفع القوات إلى الانتظار والمراقبة.

وفي وقت متأخر من ليلة الجمعة، ومع انقشاع الغطاء السحابي، منح الرئيس دونالد ترامب الضوء الأخضر لتنفيذ العملية.

تحت جنح الظلام، وصلت قوات “دلتا فورس” المدربة تدريبًا عاليًا على متن مروحيات، وهبطت داخل المجمع السكني الذي كان مادورو، مرتديًا بزة رياضية رمادية، وزوجته سيليا فلوريس نائمين فيه. وسارع الزوجان إلى محاولة الوصول إلى غرفة آمنة خلف أبواب فولاذية، في وقت كان ترامب يتابع العملية عبر بث مباشر من مقر إقامته في “مار-إيه-لاغو” بفلوريدا.

وكان أفراد الكوماندوز مزودين بمشاعل خاصة لقطع الحواجز الفولاذية، قبل أن “ينقضّوا” على الزوجين، بحسب وصف ترامب، الذي أكد لاحقًا أنهما لم يُبديا مقاومة تُذكر.

وقال ترامب في مؤتمر صحافي صباح السبت إن مادورو “كان يحاول الوصول إلى مكان آمن… لكنه لم ينجح”. وبعد السيطرة عليهما، نُقل الزوجان بالمروحية إلى السفينة الأمريكية “يو إس إس إيو جيما”، المتمركزة قبالة السواحل الفنزويلية، قبل نقلهما جوًا إلى نيويورك لمواجهة اتهامات تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وتستند رواية تفاصيل الاعتقال إلى مقابلات مع مسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية وأشخاص مطلعين على العملية، تحدث بعضهم بشرط عدم الكشف عن هويتهم، إضافة إلى تصريحات علنية أدلى بها ترامب وكبار مساعديه.

وتمثل هذه الخطوة تحقيقًا لرغبة قديمة لدى ترامب بإزاحة “الرجل القوي” في فنزويلا، لكنها نُفذت من دون تفويض من الكونغرس، وعلى ما يبدو في خرق للقانون الدولي، ما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن مستقبل البلاد.

وتُعد العملية من أكثر استخدامات السلطة الرئاسية الأمريكية مباشرة في الخارج، إذ جرى حشد قوات “دلتا فورس” ووحدات خاصة أخرى، بدعم من عناصر عمليات سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، ليس فقط لاعتقال زعيم أجنبي في دولة لا تخوض الولايات المتحدة حربًا معها، بل للتدخل المباشر في إدارة شؤونها.

وأوضح ترامب أن العملية، التي حملت الاسم العسكري “العزم المطلق”، لم تسفر عن قتلى في صفوف القوات الأمريكية، فيما أقر مسؤولون بإصابة عدد غير محدد من الجنود بجروح غير خطرة، بينهم أحد أفراد طاقم مروحية أُصيب بنيران أسلحة خفيفة. كما قُتل عدد غير محدد من عناصر الأمن الفنزويلي في مناطق العمليات.

ونُفذت الغارة الجوية بواسطة “الفوج 160 للطيران الخاص للعمليات”، وهي وحدة تُشارك في أكثر المهام العسكرية سرية وخطورة.

وقال ترامب: “كانوا ينتظروننا، كانوا يعرفون أننا قادمون، لكنهم أُربكوا تمامًا وسُيطر عليهم بسرعة”.

ومع ساعات الفجر الأولى، دوّت انفجارات في مواقع عدة داخل كراكاس، شملت منشآت عسكرية رئيسية، بينما حلّقت طائرات أمريكية فوق العاصمة، بعد أن عطّلت فرق أمريكية متخصصة البنية الكهربائية للمدينة عبر هجمات سيبرانية.

وانطلقت المروحيات على ارتفاع منخفض نحو وسط كراكاس، ضمن قوة جوية ضخمة ضمت أكثر من 150 طائرة انطلقت من 20 موقعًا مختلفًا في نصف الكرة الغربي، شملت مقاتلات وقاذفات “بي-1” وطائرات تشويش وإنذار مبكر.

وبحسب رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين، وصلت المروحيات إلى مجمع مادورو عند الساعة 1:01 بعد منتصف الليل بتوقيت الساحل الشرقي، وجرى تبادل لإطلاق النار استمر دقائق معدودة.

وقال مسؤول كبير في الإدارة: “من لحظة الانفجارات الأولى إلى اقتحام الباب، لم تستغرق العملية أكثر من ثلاث دقائق”.

وسبق الاقتحام عمل استخباراتي مكثف استمر أشهرًا، ركز على تتبع “نمط حياة” مادورو بدقة شديدة، شمل أماكن إقامته وتنقلاته وروتينه اليومي.

وأكد كاين أن فرق الاستخبارات عملت طويلًا لفهم تحركات مادورو وكل تفاصيل حياته، فيما كشف شخص مطلع أن “سي آي إيه” امتلكت مصدرًا داخل الحكومة الفنزويلية، وزجّت بفريق صغير داخل البلاد لمراقبة تحركاته وتزويد وحدات العمليات الخاصة بالمعلومات.

وبعد نحو ساعتين ونصف من بدء العملية، كانت المروحية التي تقل مادورو وفلوريس قد عادت إلى المياه الدولية تمهيدًا لنقلهما إلى السفينة الأمريكية.

وقال ترامب إن الغارة جاءت ثمرة أشهر من التحضير، مشيرًا إلى أن القوات بنت نموذجًا مطابقًا لمنزل مادورو للتدريب عليه، في خطوة شبّهها بالتحضيرات التي سبقت عملية قتل أسامة بن لادن.

وأثارت العملية ردود فعل سريعة، إذ أدانت نائبة الرئيس الفنزويلي دلسي رودريغيز ما وصفته بـ“العدوان الوحشي”، فيما أعلنت الإدارة الأمريكية أنها أدت اليمين كرئيسة انتقالية، وهو ما نفته رودريغيز لاحقًا في خطاب متلفز، مؤكدة أن “الرئيس الوحيد للبلاد هو نيكولاس مادورو”.

وقدّمت واشنطن العملية على أنها مهمة “إنفاذ قانون”، بمشاركة وزارة العدل، إلا أن خبراء قانونيين اعتبروا هذا الوصف غير كافٍ لتبريرها قانونيًا، مؤكدين أنها تمثل استخدامًا غير مشروع للقوة بموجب القانون الدولي.

ويقود مادورو فنزويلا منذ عام 2013، ويواجه في الولايات المتحدة اتهامات تتعلق بالإرهاب المرتبط بالمخدرات، والتآمر لتهريب الكوكايين، وجرائم أسلحة، ضمن قضية فدرالية مفتوحة في نيويورك منذ عام 2020.

وتأتي عملية اعتقاله في إطار حملة أوسع تقودها إدارة ترامب لمواجهة تهريب المخدرات في المنطقة، وفي سياق إعادة فرض النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي، وسط تصعيد عسكري وأمني متواصل في منطقة الكاريبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى