اجتماع أمريكي سري يجمع الجزائر والمغرب وموريتانيا والبوليساريو حول الصحراء الغربية

كشفت تقارير إعلامية أوروبية ومغربية عن عقد الولايات المتحدة اجتماعًا سريًا جمع ممثلين عن المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو في العاصمة الإسبانية مدريد، لمناقشة مستقبل الصحراء الغربية، في تحرك دبلوماسي يعكس تصاعد الانخراط الأمريكي المباشر في واحد من أكثر النزاعات تعقيدًا في شمال أفريقيا.
وبحسب المعلومات المتداولة، استضافت السفارة الأمريكية في مدريد الاجتماع، الذي شاركت فيه وفود رفيعة المستوى ضمت ثلاثة أعضاء عن كل طرف، برئاسة وزراء الخارجية أو ممثلين كبار عنهم. وأشرف على المحادثات كبار المسؤولين الأمريكيين المعنيين بالملف الأفريقي والأممي، في مؤشر على الأهمية التي توليها واشنطن لهذا الملف في المرحلة الحالية.
وتشير التسريبات إلى أن جوهر النقاشات دار حول خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية، وهي الخطة التي تحظى بدعم متزايد داخل مجلس الأمن الدولي، وتدفع واشنطن نحو تحويلها إلى أساس للحل النهائي للنزاع المستمر منذ عقود.
وبحسب مصادر إعلامية إسبانية، طلبت الولايات المتحدة من المغرب تقديم نسخة موسعة ومفصلة من مقترح الحكم الذاتي، حيث تم إعداد وثيقة تفصيلية جديدة تصل إلى نحو أربعين صفحة، بدلًا من النسخة المختصرة السابقة، بهدف تحويلها إلى إطار تفاوضي شامل يمكن عرضه على الأطراف الأخرى.
وتشير المعلومات إلى أن اجتماع مدريد لم يكن الأول من نوعه، بل جاء ضمن مسار تفاوضي سري بدأ في واشنطن أواخر يناير الماضي، حيث عُقد اجتماع أولي استمر نحو 48 ساعة بعيدًا عن الإعلام، في محاولة أمريكية لبناء أرضية تفاوضية جديدة.
في المقابل، رفضت جبهة البوليساريو بشكل واضح خطة الحكم الذاتي، متمسكة بخيار الاستفتاء على تقرير المصير، استنادًا إلى قرارات أممية سابقة تعود إلى عقود. وترى الجبهة أن أي حل لا يتضمن استفتاءً مباشرًا يمثل التفافًا على حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
وتُعد الصحراء الغربية واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في القانون الدولي، حيث تصنفها الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. ويعود النزاع إلى عام 1975، عندما انسحبت إسبانيا من الإقليم، قبل أن يسيطر المغرب على الجزء الأكبر منه، بينما دخلت موريتانيا لاحقًا في النزاع قبل أن تنسحب.
وتقول تقارير حقوقية إن سكان الإقليم يعيشون أوضاعًا إنسانية معقدة، خصوصًا في مخيمات اللاجئين في الجزائر، حيث يعتمد مئات الآلاف على المساعدات الإنسانية الدولية. كما تتحدث منظمات حقوقية عن اتهامات بانتهاكات ضد نشطاء صحراويين داخل المناطق التي يسيطر عليها المغرب.
وتحظى خطة الحكم الذاتي المغربية بدعم متزايد من دول غربية، خاصة بعد أن اعترفت الولايات المتحدة خلال فترة رئاسة دونالد ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، مقابل تطبيع العلاقات المغربية مع إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، توسع الدعم الغربي للخطة، مع تأييد إسبانيا وفرنسا وعدد من دول الاتحاد الأوروبي لها.
وتشير بيانات أمريكية إلى أن المغرب يعد أحد أكبر مشتري الأسلحة الأمريكية في أفريقيا، وهو ما يعكس عمق الشراكة العسكرية والاستراتيجية بين الرباط وواشنطن، ويزيد من أهمية الملف في الحسابات الجيوسياسية الأمريكية.
وفي السياق نفسه، قدمت بعض وسائل الإعلام المغربية مشاركة الجزائر في اجتماع مدريد على أنها مؤشر على انفتاح محتمل على مناقشة خطة الحكم الذاتي، رغم عدم صدور موقف رسمي جزائري يؤكد ذلك.
وتعد الجزائر الداعم الرئيسي لجبهة البوليساريو، وتؤكد باستمرار دعمها لحق تقرير المصير للشعب الصحراوي.
ويرى محللون أن التحرك الأمريكي يعكس رغبة في إغلاق أحد أطول النزاعات الإقليمية في أفريقيا، خاصة في ظل التغيرات الجيوسياسية في المنطقة، وتصاعد أهمية شمال أفريقيا في ملفات الطاقة والهجرة والأمن.
وتشير تصريحات مسؤولين أمريكيين إلى أن ملف الصحراء الغربية بات يمثل أولوية متقدمة في السياسة الأمريكية تجاه أفريقيا، في ظل توجه أوسع لتعزيز الاستقرار في مناطق تعتبرها واشنطن حيوية لأمنها الاستراتيجي.
ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة قد تشهد ضغوطًا أمريكية مكثفة لدفع الأطراف نحو تسوية قائمة على صيغة الحكم الذاتي، مع تقديم ضمانات سياسية واقتصادية للأطراف المعنية، في محاولة لإنهاء النزاع الذي استمر لما يقارب خمسة عقود.
وفي ظل استمرار التحركات الدبلوماسية السرية، يبقى مستقبل الصحراء الغربية مفتوحًا على عدة سيناريوهات، بين تسوية سياسية برعاية دولية، أو استمرار الجمود في واحد من أكثر النزاعات حساسية في القارة الأفريقية.















