المحكمة العليا الأمريكية تصفع ترامب وتبقي حق المواطنة بالولادة

رفضت المحكمة العليا الأمريكية محاولة الرئيس دونالد ترامب تقييد حق المواطنة بالولادة، في قرار قضائي وصف بأنه ضربة جديدة لسياسات الإدارة المتشددة تجاه المهاجرين، بعدما أكدت المحكمة أن التعديل الرابع عشر للدستور يضمن منح الجنسية الأمريكية لكل من يولد على الأراضي الأمريكية، باستثناء حالات محدودة نص عليها الدستور.
وجاء الحكم بأغلبية ضيقة بلغت خمسة قضاة مقابل أربعة، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل خلال ولاية ترامب الثانية، بعدما سعت الإدارة إلى إلغاء حق المواطنة بالولادة عبر أمر تنفيذي وقعه الرئيس في أول يوم من عودته إلى البيت الأبيض ضمن حملة واسعة لتشديد سياسات الهجرة.
وكتب رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، في حيثيات الحكم الصادر باسم الأغلبية، أن المواطنة كانت ولا تزال حقاً دستورياً أساسياً، مؤكداً أن واضعي التعديل الرابع عشر وسعوا هذا الحق ليشمل “كل شخص يولد حراً على هذه الأرض”.
وأضاف أن المحكمة تفي اليوم بهذا الالتزام الدستوري، مؤكداً استمرار سريان حق المواطنة بالولادة باعتباره أحد المبادئ الراسخة في النظام الدستوري الأمريكي.
ورغم معارضة أربعة قضاة للحكم، فإن أحدهم، القاضي بريت كافانو، أشار إلى أن التشريعات الفيدرالية القائمة كانت ستقود إلى النتيجة نفسها حتى في حال اختلاف التفسير الدستوري، ما عزز موقف الأغلبية في تثبيت هذا الحق.
ويعد التعديل الرابع عشر، الذي أُقر عام 1868 عقب الحرب الأهلية الأمريكية، الأساس القانوني لمنح الجنسية تلقائياً لكل طفل يولد داخل الولايات المتحدة، باستثناء أبناء الدبلوماسيين الأجانب أو القوات العسكرية الأجنبية الموجودة على الأراضي الأمريكية.
وكان ترامب قد حاول استثناء أبناء المهاجرين غير النظاميين وبعض الأجانب الذين يدخلون الولايات المتحدة فيما يعرف بـ”سياحة الولادة”، معتبراً أن النص الدستوري لا ينطبق على هذه الفئات.
وتقدر مبادرة أبحاث الهجرة عدد المهاجرين غير النظاميين في الولايات المتحدة بما يتراوح بين 12 و14 مليون شخص، فيما تشير تقديرات مركز دراسات الهجرة إلى أن ما بين 20 ألفاً و26 ألف شخص قدموا إلى الولايات المتحدة عام 2020 بهدف إنجاب أطفال يحصلون على الجنسية الأمريكية.
وجاء القرار في وقت تواصل فيه إدارة ترامب تنفيذ واحدة من أكثر السياسات تشدداً تجاه الهجرة في تاريخ الولايات المتحدة، إذ ألغت حتى الآن ما لا يقل عن 100 ألف تأشيرة، ورحلت نحو نصف مليون مهاجر، كما أودعت قرابة 70 ألف شخص في مراكز احتجاز تعرضت لانتقادات واسعة بسبب الاكتظاظ وسوء الظروف الصحية.
كما أوقفت الإدارة فعلياً برنامج اللجوء الأمريكي، وأنهت الحماية المؤقتة الممنوحة لعدد من الجنسيات، بينها الأفغان والسوريون والهايتيون، ضمن حملة شاملة لتقييد الهجرة القانونية وغير القانونية.
ورحبت منظمات حقوقية وجماعات مدافعة عن حقوق المهاجرين بالحكم، معتبرة أنه يحافظ على أحد أهم الضمانات الدستورية في الولايات المتحدة، لكنها حذرت في الوقت ذاته من أن إدارة ترامب قد تتجه إلى محاولات جديدة لتقليص الحقوق القانونية للمهاجرين خلال ما تبقى من الولاية الرئاسية.
وقال فرناندو غارسيا، المدير التنفيذي لشبكة الحدود لحقوق الإنسان، إن القرار يؤكد أن الدستور يحمي جميع الأشخاص على قدم المساواة، مضيفاً أن المعركة القانونية للدفاع عن حقوق المهاجرين لم تنته بعد.
من جهته، اعتبر شون فانديفر، رئيس منظمة “AfghanEvac”، أن الحكم يمنح آلاف العائلات الأفغانية المقيمة في الولايات المتحدة قدراً كبيراً من اليقين القانوني، مؤكداً أن الأطفال المولودين داخل الولايات المتحدة سيبقون محميين بموجب الدستور، بغض النظر عن الوضع القانوني لآبائهم.
كما وصفت جنين يونس، رئيسة اللجنة الأمريكية العربية لمكافحة التمييز، حق المواطنة بالولادة بأنه ضمان دستوري لا يمكن سحبه أو منحه بأمر تنفيذي.
ولم يتأخر رد الرئيس ترامب على القرار، إذ أعلن عبر منصته “تروث سوشيال” عزمه نقل المعركة إلى الكونغرس، داعياً المشرعين إلى إصدار قانون ينهي نظام المواطنة بالولادة دون الحاجة إلى تعديل دستوري.
وكتب ترامب أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى “تعديل دستوري طويل ومعقد”، مطالباً الكونغرس بالتحرك فوراً لإنهاء ما وصفه بالنظام المكلف وغير العادل، متعهداً بتقديم دعمه الكامل لأي تحرك تشريعي بهذا الاتجاه.
غير أن خبراء قانونيين شككوا في إمكانية نجاح هذه الخطوة، معتبرين أن حق المواطنة بالولادة يستند إلى نص دستوري صريح يصعب تجاوزه بقانون عادي.
وقال حسن محمد أحمد، الشريك الإداري في أحد مكاتب المحاماة بواشنطن، إن المحكمة العليا، رغم كونها الأكثر محافظة منذ عقود، رفضت المساس بحق المواطنة بالولادة، وهو ما يجعل فرص تغيير هذا الواقع عبر الكونغرس محدودة للغاية.
وأضاف أن القضية تمثل أحد أكثر المبادئ رسوخاً في النظام الدستوري الأمريكي، ولا يتوقع أن تحظى أي محاولة لإلغائها بتأييد واسع داخل المؤسسة التشريعية.
وكان البيت الأبيض قد دافع عن الأمر التنفيذي بالقول إن حق المواطنة بالولادة وُضع أساساً لضمان حقوق أبناء العبيد بعد الحرب الأهلية، وليس لمن وصفهم بالأشخاص الذين يحاولون التحايل على نظام الهجرة والدخول إلى الولايات المتحدة للحصول على الجنسية لأبنائهم.
ورغم أن معظم دول العالم تعتمد مبدأ منح الجنسية على أساس النسب وليس مكان الميلاد، فإن مبدأ المواطنة بالولادة ظل جزءاً أساسياً من الهوية القانونية والدستورية للولايات المتحدة منذ أكثر من قرن ونصف، وهو ما كرسته المحكمة العليا مجدداً بقرارها الأخير، لتوجه بذلك انتكاسة جديدة لمحاولات إدارة ترامب إعادة صياغة سياسات الهجرة عبر الأوامر التنفيذية.















