انتشال رفات 100 شهيد من أنقاض غزة بعد ثلاث سنوات من الانتظار

في مشهد يختزل حجم الفاجعة ومرارة الانتظار في قطاع غزة، انتشلت طواقم الدفاع المدني رفات نحو 100 شهيد، بينهم أكثر من 60 طفلاً، من تحت أنقاض المنازل المدمرة في حي الزيتون بمدينة غزة، وذلك بعد ما يقرب من ثلاث سنوات على استشهادهم جراء الغارات والعدوان الإسرائيلي.
وأفادت المصادر الميدانية بأن 55 شهيداً من الذين جرى الانتشال لرفاتهم ينتمون إلى عائلة “ملكة”، إلى جانب شهداء آخرين من عائلتي “البلعاوي” و”سلمي”. وجاءت هذه العملية الشاقة بعد ساعات طويلة من العمل المتواصل والدؤوب الذي نفذته الطواقم المختصة بأدوات بدائية وإمكانيات محلية محدودة، في ظل استمرار منع الاحتلال الإسرائيلي لإدخال المعدات والآليات الثقيلة اللازمة لتسهيل عمليات البحث ورفع الركام.
وتشير التقديرات المحلية إلى أن هذه الحادثة لا تمثل سوى جزء بسيط من المأساة الكلية؛ إذ لا تزال هناك نحو 8 آلاف جثة ورفات لشهداء مفقودين تحت أنقاض المباني السكنية والمؤسسات المدمرة في مختلف مناطق القطاع. وتشير هذه الأرقام إلى عمق الكارثة الإنسانية التي يعيشها السكان، حيث يتحول البحث عن الرفات إلى مهمة شاقة تتطلب صبراً كبيراً وإمكانيات ضئيلة مقارنة بحجم الدمار.
ويعكس هذا العدد الكبير من الضحايا، خاصة الأطفال، حجم الخسارة البشرية الفادحة التي تكبدها القطاع خلال السنوات الماضية. إن عملية الانتشال ليست مجرد إجراء فني، بل هي لحظة حاسمة للعائلات التي عاشت عقوداً من الغموض والألم، محاولةً منها لاستعادة كرامة أحبائها وتأمين حقهم في الدفن وفق التقاليد والعادات المتبعة.
وكانت العائلات المكلومة قد وقفت أمام جثامين ورفات أحبائهم للمرة الأولى منذ فقدانهم، في مشاهد حملت آثار سنوات طويلة من الألم والترقب الثقيل. وقد اختلطت دموع الحزن بمرارة استعادة البقايا من بين الركام الذي يتحول كل مرة من شاهد على لحظة القصف والدمار إلى محطة أخيرة للوداع الأليم قبل إقامة مراسم التشييع والمواراة في الثرى.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، لاقت المشاهد المتداولة تفاعلاً واسعاً من قبل الإعلاميين والناشطين، الذين استعادت منشوراتهم سنوات المعاناة والانتظار التي عاشتها تلك الأسر. وقد وصف متابعون تلك اللحظات بأنها تجسيد لـ “الجنازات والقهر المؤجل”، مشيرين إلى المأساة الإنسانية البالغة عندما يتحول أقصى أمل للوالدين بعد أعوام من البحث إلى العثور على أثر أو رفات يدل على طفلهما الغائب.
وأكدت التعليقات أن غزة باتت المكان الذي لا تتوقف فيه رائحة الموت، وحيث يتأجل فيه حتى الوداع الأخير لسنوات طوال تحت الركام. وهذا التأخير في الدفن يضيف عبئاً نفسياً إضافياً على الناجين، الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين ذكريات الماضي وآمال مستحيلة في إنهاء الانتظار.
وفي السياق ذاته، أعلنت طواقم الدفاع المدني بدء المرحلة الثانية من عمليات البحث والانتشال في المحافظة الوسطى، والتي تتضمن استهداف مناطق دير البلح ومخيمي النصيرات والمغازي. ويأتي هذا الإعلان في إطار الجهود المستمرة لمحاولة الوصول إلى المزيد من الرفات، رغم الصعوبات اللوجستية والتقنية التي تواجهها الفرق العاملة.
وتعتبر هذه المناطق من أكثر المناطق تضرراً خلال العدوان، حيث تعرضت لقصف مكثف أدى إلى انهيار عدد كبير من المباني السكنية. وبالتالي، فإن وجود أعداد كبيرة من الجثث تحت الأنقاض هو أمر متوقع، مما يجعل عملية الانتشال مهمة معقدة وطويلة الأمد تتطلب تنسيقاً دقيقاً بين الفرق المتخصصة.
كما أن استخدام الأدوات البدائية يعكس حالة الحرمان من الموارد الأساسية، حيث يتم الاعتماد على الإمكانيات المتاحة بدلاً من الآلات الثقيلة التي تسرع من وتيرة العمل. وهذا الوضع يزيد من خطر الإصابات بين العاملين، كما يطيل مدة الانتظار للعائلات المنتظرة أخباراً عن أحبائها.
إن هذه الأحداث تسلط الضوء على الحاجة الملحة لتقديم الدعم الدولي والإنساني للمنطقة، ليس فقط في مجال الإغاثة الطبية والغذائية، بل أيضاً في توفير المعدات والتقنيات اللازمة لإنجاز عمليات الانتشال بشكل أسرع وأكثر أماناً.
وتظل هذه القصص الفردية، مثل قصة عائلة “ملكة” وعائلات أخرى، رموزاً لألم جماعي يعاني منه شعب كامل. إنها تذكير دائم بتكلفة الحرب على المدنيين، وعلى خصوصاً الأطفال الذين يمثلون نصف الضحايا تقريباً في هذه العملية.
وفي ختام هذا التقرير، يبقى السؤال المطروح حول متى سيتمكن هؤلاء العائلات من إنهاء انتظارهم، ومتى ستعود الحياة الطبيعية إلى حياتهم بعد هذه المحنة الطويلة. فالوقت يمر، لكن الألم يبقى حاضراً في كل زاوية من زوايا القطاع.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار الوطن الخليجية.















