صحيفة فرنسية: كيف تحولت العلاقات الجزائرية-الإماراتية إلى ساحة حرب كلامية

تحت عنوان لافت هو “بين تبون ومحمد بن زايد… الحرب الباردة تتحول إلى تبادل الإهانات”، رصدت مجلة “جون أفريك” الفرنسية التحوّل الجذري الذي طرأ على العلاقات الجزائرية الإماراتية خلال السنوات القليلة الماضية، معتبرة أن ما كان يُوصف يومًا بـ”العلاقة الاستراتيجية” أصبح الآن مثالًا صارخًا على العداء العلني بين دولتين عربيتين.

في مشهد غير مألوف خلال قمة مجموعة السبع التي انعقدت في يونيو 2024 بمدينة باري الإيطالية، رصدت الكاميرات لحظة حديث جانبي جمع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بولي عهد الإمارات ورئيسها محمد بن زايد آل نهيان.

المشهد الذي بدا كأنه عتاب شخصي، بلغ ذروته حين لوّح تبون بإصبعه نحو صدر بن زايد، في إشارة اعتبرها البعض تعبيرًا عن خلافات عميقة تجاوزت حدود اللباقة الدبلوماسية.

من التقارب إلى الانهيار التدريجي

تشير المجلة إلى أن العلاقات الجزائرية-الإماراتية كانت في أفضل حالاتها خلال عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، الذي أقام علاقات وثيقة مع الإمارات بحكم إقامته فيها في ثمانينيات القرن الماضي. وكان يحمل تقديرًا شخصيًا للشيخ زايد، مؤسس دولة الإمارات، إلى درجة أنه أعلن حدادًا وطنيًا عند وفاته في 2004.

آنذاك، حصلت الشركات الإماراتية على عقود استثمارية كبرى في الجزائر، كما كانت المؤسسة العسكرية الجزائرية تعتمد على السوق الإماراتية لشراء المعدات، وسط زيارات منتظمة لمسؤولين عسكريين جزائريين إلى أبو ظبي، أبرزهم رئيس الأركان الراحل الفريق أحمد قايد صالح.

ومع تولي تبون السلطة، بدأت ملامح التوتر بالظهور، خاصة بعد افتتاح الإمارات لقنصلية في مدينة العيون المغربية في نوفمبر 2020، وهو ما اعتبرته الجزائر تجاوزًا لموقفها التاريخي الداعم لجبهة البوليساريو وحق تقرير المصير في الصحراء الغربية.

وفي سبتمبر من العام ذاته، زاد الغضب الجزائري مع إعلان الإمارات تطبيع علاقاتها مع إسرائيل ضمن ما عُرف بـ”اتفاقيات إبراهيم”، وهو ما تعتبره الجزائر استفزازًا سافرًا يتعارض مع موقفها الثابت من القضية الفلسطينية.

اتهامات علنية ومواقف تصعيدية

رغم محاولات التهدئة، عادت العلاقات لتتدهور بشكل ملحوظ. ففي مارس 2024، أطلق الرئيس تبون تصريحات غير مسبوقة اتهم فيها دولة خليجية – دون تسميتها – بالوقوف وراء الأزمات في مالي وليبيا والسودان، وهي تلميحات فهمت مباشرة على أنها موجهة للإمارات.

لاحقًا، جاء الرد الإعلامي الجزائري أكثر حدة. ففي مايو 2024، شنّ التلفزيون العمومي الجزائري هجومًا عنيفًا ضد الإمارات، واصفًا إياها بـ”الدويلة” و”الكيان المصطنع” و”مصنع الشر”، في تعليق رسمي على مقابلة بثتها قناة “سكاي نيوز عربية” – المملوكة لأبو ظبي – استضافت فيها أكاديميًا جزائريًا شكك في مكون الهوية الأمازيغية.

وفيما التزمت أبو ظبي الصمت الرسمي، ولم تصدر أي بيانات أو تصريحات رسمية، التزمت وسائل الإعلام الإماراتية المقربة من الدولة الهدوء، ما فُسّر على أنه تجاهل متعمد لتفادي التصعيد. أما في الجزائر، فقد اعتُبر الصمت الإماراتي إما تجاهلًا أو رضا ضمنيًا.

حتى الآن، لا يبدو أن هناك مؤشرات حقيقية على انفراجة في العلاقات بين البلدين. فالاتهامات الثقيلة التي تتعلق بدعم الفوضى الإقليمية والتطبيع مع إسرائيل، إلى جانب الحرب الإعلامية المتبادلة، دفعت بالعلاقة الثنائية إلى مرحلة يصعب فيها استعادة الثقة في المدى القريب.

ورغم أن الإمارات لم ترد مباشرة على التصريحات الجزائرية، إلا أن استمرار هذا التوتر يطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين بلدين يشكلان طرفين مهمين في المشهد العربي، ولكن برؤيتين متضادتين جذريًا للسياسة الخارجية والأمن الإقليمي.

هل ستظل العلاقة محصورة في منطق التوتر الهادئ؟ أم أننا أمام تصعيد قادم قد يأخذ شكلًا اقتصاديًا أو دبلوماسيًا أكثر حدة؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى