الحرب على إيران تهدد الاقتصاد العالمي وتوقعات بموجة تضخم جديدة

كشفت توقعات اقتصادية حديثة أن الحرب على إيران وضعت الاقتصاد العالمي أمام مسارين محفوفين بالمخاطر، وسط تحذيرات من أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى تباطؤ واسع في النمو وارتفاع جديد في معدلات التضخم، بما يهدد بدفع بعض الاقتصادات نحو حافة الركود.

وأظهرت التقديرات أن السيناريو الأول يقوم على احتواء تداعيات الحرب سريعاً وانتهاء الاضطرابات خلال فترة قصيرة، وهو ما سيؤدي إلى تباطؤ اقتصادي محدود نسبياً، بينما يتوقع السيناريو الثاني ضربة أشد قسوة في حال امتداد المواجهة وتعطل إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد العالمية.

وبحسب توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن كلا المسارين سيجعلان الاقتصاد العالمي في وضع أسوأ مقارنة بمرحلة ما قبل اندلاع الحرب، مع تسجيل نمو أضعف وأسعار أعلى، على أن يتوقف حجم الضرر النهائي على مدة الصراع واتساع نطاق تأثيراته.

وأعاد التصعيد الحالي تسليط الضوء على هشاشة الاقتصاد العالمي أمام نقاط الاختناق الاستراتيجية، خصوصاً في قطاعات الطاقة والتجارة الدولية، وهي العوامل ذاتها التي ساهمت في موجات التضخم الكبرى التي ضربت العالم خلال السنوات الخمس الماضية.

وقال كبير الاقتصاديين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ستيفانو سكاربيتا إن “الصراع في الشرق الأوسط أصبح القوة المهيمنة التي تشكل التوقعات الاقتصادية العالمية”، محذراً من أن اعتماد الاقتصاد العالمي على نقاط اختناق محددة يكشف الحاجة إلى تعزيز قدرة سلاسل التوريد على مواجهة الصدمات.

وتفترض التوقعات الأساسية للمنظمة تراجع اضطرابات أسواق الطاقة مع تقدم الجهود الدبلوماسية نحو إنهاء الحرب والوصول إلى تسوية دائمة.

وفي هذا السيناريو، تتوقع المنظمة تسجيل الاقتصاد العالمي نمواً بنسبة 2.8% خلال العام الحالي، بانخفاض طفيف عن التوقعات السابقة البالغة 2.9%، مشيرة إلى أنه لولا الحرب لكانت تقديرات النمو قد اتجهت إلى الارتفاع.

لكن السيناريو الأكثر تشاؤماً يرسم صورة أكثر خطورة، إذ تتوقع المنظمة في حال استمرار الصراع معظم العام المقبل انخفاض النمو العالمي إلى 2.1% في عام 2026 ثم إلى 1.8% في عام 2027.

ومن المتوقع أن تكون الاقتصادات الأكثر اعتماداً على طاقة الشرق الأوسط، خاصة في آسيا خارج الصين، الأكثر تعرضاً للضغوط في حال حدوث تراجع كبير في إنتاج الطاقة من منطقة الخليج.

كما حذرت المنظمة من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى موجة تضخمية جديدة، إذ تشير التقديرات الحالية إلى وصول التضخم في دول مجموعة العشرين إلى 4% هذا العام قبل انخفاضه إلى 3.1% في 2027.

لكن استمرار الصراع قد يضيف 0.4 نقطة مئوية إلى التضخم خلال العام الحالي، ونحو 1.3 نقطة مئوية بحلول عام 2027، ما يزيد الضغوط على المستهلكين والشركات والحكومات.

وتأتي هذه المخاطر في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي دفعة قوية من طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، التي ساعدت في تخفيف بعض الضغوط الاقتصادية، خصوصاً داخل الولايات المتحدة التي تبدو أقل تأثراً بصدمات الطاقة مقارنة باقتصادات أخرى.

وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن يقترب النمو الأمريكي من 2% هذا العام، وهو أعلى معدل بين دول مجموعة السبع، مدعوماً بالاستثمارات الضخمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي واستمرار الإنفاق القوي من الأسر مرتفعة الدخل، قبل تراجعه إلى 1.8% في عام 2027.

لكن التقرير حذر من جانب آخر لهذه الطفرة، إذ إن توسع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يزيد ارتباط الاقتصاد العالمي بقطاعات شديدة الحساسية، أبرزها الطاقة وأشباه الموصلات والمعادن وسلاسل الإمداد الصناعية.

وأشار سكاربيتا إلى أنه في حال استمرار الاضطرابات حتى عام 2027، فإن الاستثمارات، بما فيها مشروعات الذكاء الاصطناعي كثيفة الاستهلاك للطاقة، ستتعرض لضربة كبيرة، مع ارتفاع مخاطر إعادة تقييم الأسواق المالية.

وأكدت المنظمة أن قطاع الذكاء الاصطناعي يواجه ثلاثة مصادر تهديد رئيسية، تتمثل في الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات، وصناعة الرقائق الإلكترونية، وطرق التجارة العالمية التي تعتمد عليها المعدات والتقنيات.

وحذرت من أن هذه العوامل قد تقلل قدرة الشركات على مواصلة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ما يؤدي إلى تباطؤ واضح في الاقتصادات التي استفادت مؤخراً من طفرة الإنتاج والاستثمارات المرتبطة بهذه التكنولوجيا.

وفي ظل هذه التطورات، تتجه أنظار الأسواق إلى البنوك المركزية الكبرى، وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، التي تعتمد حالياً سياسة الانتظار ومراقبة مسار الأزمة.

لكن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حذرت من أنه إذا طال أمد الحرب، فقد تضطر معظم الاقتصادات إلى رفع أسعار الفائدة بما يصل إلى 0.75 نقطة مئوية للسيطرة على توقعات التضخم، رغم ضعف معدلات النمو.

وأكدت المنظمة أن هذه المعادلة ستضع الحكومات أمام ضغوط إضافية، إذ ستنتقل مسؤولية دعم الاقتصادات بدرجة أكبر إلى السياسات المالية في وقت تعاني فيه الدول بالفعل من ارتفاع الديون وتكاليف الشيخوخة وزيادة الإنفاق الدفاعي، ما يترك مساحة محدودة للتحرك أمام أزمة عالمية جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى