توافق عصيّ في الكويت بشأن التعليق الثالث لبعض أحكام الدستور

أبرز مقال تحليلي ما تشهده الكويت من توافق عصيّ بشأن التعليق الثالث لبعض أحكام الدستور في البلاد لمدة لا تزيد عن أربع سنوات.

وفي 10 مايو 2024، أعلن أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، في خطاب مُتلفز، عن “حل مجلس الأمة وتعليق العمل ببعض مواد الدستور لمدة لا تزيد عن أربع سنوات يتم خلالها دراسة جميع جوانب المسيرة الديمقراطية”.

وتزامن التعليق الثالث لبعض أحكام الدستور الذي أقر العام 1962 مع إعلان أمير البلاد عن نية الذهاب في إجراء تعديلات دستورية بعد دراسة “جميع جوانب المسيرة الديمقراطية”.

وقال مركز البيت الخليجي للدراسات والنشر إنه خلاف الأزمة السياسية المستمرة ما بين الحكومات المُعينة من جانب الأمير ومجلس الأمة المنتخب شعبيًا لسنوات طوال.

وهو ما تسبب في حل مجلس الأمة وإعادة تشكيل العديد من الحكومات القصيرة المتعاقبة.

وأشار الأمير في معرض تعداده لأسباب إجراءاته الاستثنائية إلى التدخل في اختصاصاته، وتحديدًا في ما يتعلق بملف ولاية العهد، وهو الملف الأكثر حساسية مذ تولى الأمير مقاليد الحكم منتصف ديسمبر 2023.

وتحدد المادة الرابعة من الدستور ولاية العهد، وحُكم الإمارة بالنتيجة، بأن تكون في ذرية حاكم الكويت السابع الشيخ مبارك الصباح (1837-1915)، وعليه؛ يصبح عدد المُرشحين والمُتطلعين لولاية العهد كبيرًا ويشمل العديد من التفرعات في العائلة الحاكمة.

ولا يزال من المبكر الوقوف عند طبيعة التعديلات الدستورية، كذلك ما يتعلق بطريقة إقرارها، ما بين أن تكون على شكل الدستور المنحة وهو شكل رائج في دول الخليج أو الذهاب إلى استفتاء شعبي لتحصين الدستور الجديد بشرعية شعبية.

لا يُعرفُ أيضًا ما إذا كانت هذه التعديلات ستمس طبيعة نظام الحكم عبر الانتقال من نظام الإمارة الدستورية إلى نظام مملكة دستورية أو الإبقاء على طبيعة نظام الحكم على ما هي عليه.

أيضًا، يصعبُ التنبؤ ما إذا كانت هذه التعديلات ستذهب إلى خيار إنشاء غرفة تشريعية يتم تعيين أعضاءها لكبح جماح المجلس المنتخب كما هو معمول به في كل من البحرين أو أن التعديل سيقتصرُ على تعديل تركيبة المجلس ليتكون من أعضاء منتخبين ومعينين، على غرار ما هو معمول به في كل من قطر والإمارات.

وفي معزل عن شكل التعديلات الدستورية في هذه الديمقراطية الأكثر شهرة بين دول الخليج والدول العربية، تتباينُ ردود الفعل داخل الكويت وخارجها.

رغم ذلك، يبدو التُرقب الحذر سيد الموقف بالنسبة للجماعات السياسية النشطة في الكويت، لاسيما جماعة الإخوان المسلمين والتيارات القومية واليسارية، وبين ما تومئُ به هذه التعديلات وما تسترُه، من الواضح أنها لن تكون قفزة للأمام على صعيد تعزيز المشاركة السياسية في البلاد، في المقابل.

وتتبنى بعض النخب الكويتية قناعة مُلخصها أن دستور عام 1962 قد أخذ فرصته كاملة، وأن تقليص صلاحيات مجلس الأمة لا يمسُ الحريات السياسية بقدر ما يُقنن من إساءة استخدام السلطة.

والمتغيرات السياسية في منطقة الخليج، محمولةً بدعم دول مجلس التعاون الخليجي، تزيد من احتمالات أن تكون العملية الجراحية على الدستور الكويتي واسعة ودقيقة.

في السنوات الأخيرة، لا يمكن تجاوز أن السردية الناقمة على الديمقراطية ومآلاتها والتي عملت دول الخليج على صناعتها وتعزيزها باتت تزداد قوة ورواجًا.

وبالنتيجة، تعيش سرديات التبشير بالديمقراطية أسوأ فتراتها.

كما أن زخم الدفع بالمشاركة والحريات السياسية والتحول الديمقراطي تراجع في قائمة اهتمامات وأولويات السياسات الخارجية للدول الغربية، تبدو شهية الولايات المتحدة للمقايضة بين هذا الملف – أو أي ملف آخر – بمسار تطبيع العلاقات مع إسرائيل مفتوحةً للغاية.

كذلك هي بريطانيا التي تسابق دول الاتحاد الأوروبي في تعزيز شراكاتها الاقتصادية مع دول المنطقة أكثر من أي شيء أخر.

ما يظهرُ اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو أن الكويت ستنجز مهمة التغيير الدستوري دون عائق، لا يمنع ذلك أن الحصول على إجماع داخلي استثنائي على هذه التعديلات، هو أمرٌ مُتعذر.

خيارات المتحمسين للمسار الديمقراطي داخل الكويت تبدو محدودة للغاية، لقد كان السماح بولوج الطامحين إلى السلطة من أبناء الأسرة الحاكمة إلى القوى المجتمعية السياسية، وتمكينهم من تحويل أدوات الرقابة والتشريع في مجلس الأمة إلى وسائل ضغط وإنهاك سياسي بين أبناء الأسرة خطيئة مُكلفة للغاية.

عودًا إلى الملف الأكثر محورية، وهو ولاية العهد وطبيعة النظام السياسي الجديد، تتضارب التكهنات ما بين أن يعمد الأمير إلى تعيين كلاسيكي لأحد كبار أفراد الأسرة الحكامة في منصب ولاية العهد من خلال أمر أميري.

وهو ما حدث سابقاً في فترات تعطيل بعض أحكام الدستور، أو الذهاب بعيدًا عبر وضع حد فاصل للصراعات المحتدمة داخل الأسرة الحاكمة من خلال تعيين ولي عهد “شاب” أو إجراء تعديل دستوري يُضيق من عدد الطامحين في مسند الإمارة أو أن يجعلها عمودية.

وفيما يحتاج الإجراء الأخير إلى توافق يمكن وصفه بالتاريخي بين كبار أفراد الأسرة من مختلف الفروع الممتدة من ذرية مبارك الكبير، يبقى أن إيجاد مؤسسة وآليات محددة تضطلع بتنظيم كيان الأسرة الحاكمة بات حاجة مُلحة.

إزاء هذا المشهد المعقّد، لا يمكن الذهاب إلى أن المآلات سوداويةٌ بالضرورة، ثمة من يُراهن على أن التعديلات الدستورية التي ستحد من سلطة مجلس الأمة قد تُسرع من بعض الإصلاحات المُعطلة كتعزيز الحريات الفردية وتمكين المرأة والدفع بخطط تطوير البنية التحتية والتنمية الاقتصادية دون الحاجة للانشغال بالمقايضات السياسية مع الكتل السياسية في المجلس.

ولا يمنعُ ذلك من أن فكاك الحكومة من كماشة الرقابة البرلمانية قد يفتح المجال بشكل واسع أمام اجراءات وقرارات سياسية واقتصادية لا تتفق وما يترشح عن الرأي العام في الكويت، ومن ذلك فرض الضرائب وترشيد إنفاق الدولة في القطاع العام.

يُضاف إلى أن قائمة الدفوع التي يقدمها المتفائلون بمستقبل التجربة السياسية في الكويت، ما عهدته التجربة السياسية الكويتية من كونها أكثر التجارب الخليجية خصوصية في قوة العلاقة ومتانتها بين الأسرة الحاكمة والمجتمع الكويتي بمختلف مكوناته.

وهو ما يحيل – بحسب هؤلاء – إلى أن التعديلات لن تكون انقلابا على الاستحقاقات التاريخية للكويتيين. على أيّة حال، من المتوقع أن تزداد سخونة الأحداث وأن تكون المواقف السياسية أكثر وضوحًا مع الكشف عن شكل وطبيعة التغييرات الدستورية المرتقبة وآلية اقرارها.

أيضًا ستكون مؤسسات الدولة الأمنية ومؤسسة القضاء في اختبار جهد، حقيقي وصعب، في طبيعة التعاطي والتفاعل مع الأصوات المُعارضة لهذه التعديلات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن الخليجية