أزمة إيران الاقتصادية تدفع آلاف الأفغان للعودة إلى حكم طالبان

يتدفق آلاف المهاجرين الأفغان يومياً عبر معبر إسلام قلعة الحدودي عائدين إلى بلادهم، بعد أن فرضت الأزمة الاقتصادية الخانقة في إيران ظروفاً معيشية قاسية ناتجة عن التوترات العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وتجبر هذه التداعيات العائلات على العودة إلى ولاية هيرات والغرب الأفغاني، متحملين خطوة العودة إلى مظلة حكم حركة طالبان برغم القيود الصارمة المفروضة هناك.
تشير البيانات الرسمية والاستطلاعات الميدانية إلى حجم التدهور الاقتصادي الذي طال المهاجرين في الداخل الإيراني؛ حيث أظهرت أرقام مركز الإحصاء الإيراني قفزة في أسعار المستهلك بنسبة ناهزت 90% على أساس سنوي، مع تجاوز تضخم الأغذية حاجز 130%. وقد أدى هذا التدهور، المرفوق بهبوط قيمة الريال الإيراني وفقدان العائلات لربحية أعمالها التجاريّة، إلى تراجع القوة الشرائية وانعدام مدخرات نحو 71% من العائدين وفق تقارير منظمة الهجرة الدولية.
تغير طبيعة الهجرة وواقع المعيشة بعد أن كانت قرارات الترحيل والعودة تقتصر سابقاً على العمال الفرديين، أصبحت موجات العودة الحالية تضم عائلات بأكملها برفقة النساء والأطفال، مع تسجيل عودة طوعية لما بين 20 إلى 40 عائلة يومياً عبر نقطة إسلام قلعة. واستعرض عائدون شهادات حول توقف أعمال البناء والإنشاءات بالقرب من المناطق الحيوية جراء الضربات الصاروخية، إلى جانب امتناع أصحاب العمل عن دفع المستحقات المالية المترتبة للعمال الأفغان.
وتواجه العائلات العائدة تحديات معقدة تتصل بفرص العمل المعدومة في أفغانستان، فضلاً عن الاصطدام بالقيود التعليمية والمهنية المفروضة على الفتيات والنساء بعد إغلاق أبواب المدارس الثانوية والجامعات. وتعد هذه العقبات الاجتماعية جزءاً لا يتجزأ من المشهد الجديد الذي يواجهه المغادرون لإيران، مما يزيد من صعوبة عملية الاندماج مجددًا في المجتمع الأفغاني تحت نظام طالبان.
محاولات للتكيف وسط التحديات تتعدد قصص التكيف بين العائدين لتجاوز صدمة الاغتراب والانهيار المالي؛ إذ تلجأ بعض العائلات إلى الاعتماد على المساعدات الأهلية المؤقتة وسكن المنازل الطينية البسيطة، بينما تحاول أسر أخرى إعادة تأسيس مشاريع إنتاجية صغيرة اعتماداً على خبراتها المكتسبة في الخارج. وتعكس هذه الجهود الفردية مدى مرونة المجتمعات المحلية في مواجهة الأزمات المتراكمة.
برغم تباين الظروف، تظل أزمة الطاقة ونقص الخدمات الأساسية عائقاً أمام استقرار العائدين في قراهم ومناطقهم الجديدة. ويشكل انقطاع الكهرباء والمياه تحديات إضافية تعيق قدرة الأسر على استئناف حياتها الطبيعية، خاصة مع اقتراب فصول الشتاء القاسية التي تزيد من حدة المعاناة الإنسانية.
وتؤكد التقارير أن العودة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي تجربة إنسانية معقدة تجمع بين الرغبة في الأمان والعودة إلى الجذور، وبين اليأس من استمرار الحياة في بيئة اقتصادية منهارة. ويخشى محللون من أن تؤدي هذه الموجات الكبيرة إلى ضغط ديموغرافي واقتصادي إضافي على مناطق الغرب الأفغاني التي تعاني أصلاً من نقص في البنى التحتية والخدمات العامة.
كما تشير مصادر محلية إلى أن حركة العودة تسببت في إرباك لبعض السلطات المحلية في هيرات، التي لم تكن مستعدة لاستقبال أعداد بهذا الحجم خلال فترة زمنية قصيرة. وقد طلبت عدة جهات حكومية أفغانية مساعدة دولية لتقديم الدعم اللوجستي والطبي للأسر العائدة، مؤكدين أن الأزمة الإيرانية لها انعكاسات مباشرة على الاستقرار الداخلي في أفغانستان.
في السياق ذاته، حذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار العقوبات والضغوط على إيران قد يطيل أمد الأزمة الاقتصادية، مما يعني استمرار تدفق المهاجرين الأفغان بشكل دوري. ويدعو هؤلاء الخبراء إلى حلول إقليمية شاملة لمعالجة جذور المشكلة بدلاً من التعامل مع الأعراض فقط، مشيرين إلى أن الحلول الأحادية الجانب لن تكون كافية لمواجهة هذا التحدي الإنساني المتزايد.
وتستمر عمليات التسجيل والمتابعة للعائدين في المعابر الحدودية، حيث تقوم فرق مختصة بتوثيق بيانات كل عائلة وتقديم المساعدة الأولية اللازمة. وتعمل المنظمات الإنسانية على توسيع نطاق تدخلاتها لتشمل توفير الغذاء والدواء والإيواء المؤقت، في محاولة لتخفيف العبء عن كاهل الأسر الأكثر هشاشة.
ويبقى السؤال مفتوحاً حول مستقبل هذه العائلات في ظل غياب آفاق واضحة لتحسين الأوضاع الاقتصادية في كلا البلدين. وتشير التوقعات إلى أن العودة الطوعية قد تصبح نمطاً دائماً للهجرة الأفغانية إذا لم تتحسن الظروف في إيران بشكل جذري، مما يستدعي إعادة النظر في السياسات المتعلقة باللاجئين والمهاجرين في المنطقة.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار الوطن الخليجية.















