مجلة: الشرق الأوسط يشهد إعادة اصطفاف إقليمي تقوده السعودية وسط تباين مع الإمارات

قالت مجلة فورين بوليسي الأمريكية إن الشرق الأوسط يشهد إعادة اصطفاف إقليمي تقوده المملكة العربية السعودية وسط تباين مع الإمارات العربية المتحدة.
وبحسب المجلة فإن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أطلقت عملية إعادة تشكيل واسعة للتحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط، مع بروز محور سياسي جديد تقوده السعودية ويضم قطر وتركيا ومصر وباكستان، في مقابل تزايد مؤشرات التباين مع الإمارات بشأن إدارة ملفات الأمن الإقليمي والعلاقة مع إسرائيل.
وقالت المجلة إن الحرب دفعت عدداً من الدول الخليجية والإقليمية إلى تعزيز التنسيق السياسي والأمني خارج الأطر التقليدية، مشيرة إلى أن هذا الاصطفاف الجديد لا يحمل اسماً رسمياً حتى الآن، لكنه يعكس تغيراً واضحاً في موازين القوى داخل المنطقة بعد انتهاء المواجهة العسكرية مع إيران.
وبحسب التقرير، يقوم هذا التكتل على هدفين رئيسيين، يتمثلان في احتواء النفوذ الإيراني، والعمل بالتوازي على الحد من التوسع العسكري الإسرائيلي، إلى جانب استعادة النفوذ في عدد من الساحات الإقليمية، وفي مقدمتها سوريا ولبنان.
ولفتت فورين بوليسي إلى أن الإمارات لم تكن جزءاً من هذا الاصطفاف الجديد، في تطور يعكس اتساع الفجوة بينها وبين السعودية في عدد من الملفات الإقليمية، بعدما كانت الدولتان تمثلان محوراً واحداً خلال السنوات التي أعقبت أحداث الربيع العربي.
وأوضحت المجلة أن الرياض وأبوظبي كانتا تتبنيان في السابق مواقف متقاربة تجاه معظم القضايا الإقليمية، إلا أن أولويات كل منهما بدأت تتباعد بصورة متزايدة، خصوصاً في ما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل وإدارة النفوذ الإقليمي.
وأضافت أن الإمارات لا تزال ترى في التطبيع مع إسرائيل أحد أهم ركائز استراتيجيتها الإقليمية، في حين باتت السعودية تتبنى مقاربة أكثر تحفظاً، في ظل استمرار الحرب في غزة واتساع الانتقادات العربية والإسلامية للسياسات الإسرائيلية.
ورأت المجلة أن هذا الاختلاف انعكس أيضاً على طبيعة التحالفات الجديدة، حيث تعمل الرياض على بناء شبكة تعاون أوسع تضم قوى إقليمية مؤثرة مثل تركيا وباكستان ومصر وقطر، بما يعزز موقعها القيادي في المنطقة.
وأشارت فورين بوليسي إلى أن أحد أسباب التقارب السعودي التركي يتمثل في المخاوف المشتركة من اتساع دائرة العمليات العسكرية الإسرائيلية، بعد الضربة التي استهدفت الدوحة خلال الحرب، والتي أثارت قلقاً متزايداً لدى دول الخليج بشأن احتمال انتقال المواجهات إلى دول أخرى في المنطقة.
وأضافت أن باكستان تمثل بدورها عنصراً مهماً في هذا الاصطفاف، نظراً لما تمتلكه من قدرات عسكرية ونووية، في إطار التعاون الدفاعي القائم مع السعودية.
وفي المقابل، اعتبرت المجلة أن الإمارات اختارت مساراً مختلفاً يقوم على تعزيز شراكاتها الدفاعية مع إسرائيل، مشيرة إلى تقارير تحدثت عن حصول أبوظبي على تجهيزات دفاع جوي إسرائيلية خلال الحرب الأخيرة، في إطار تعميق التعاون الأمني بين الجانبين لمواجهة التهديدات الإيرانية.
كما رأت المجلة أن التنافس بين الرياض وأبوظبي لم يعد يقتصر على الملفات السياسية، بل امتد إلى الجوانب الاقتصادية، مع سعي كل منهما إلى ترسيخ مكانته مركزاً رئيسياً للاستثمارات والتجارة والخدمات اللوجستية في المنطقة.
وأشارت إلى أن الخلافات بين البلدين برزت أيضاً في ملفات اليمن والسودان، فضلاً عن التباين في كيفية التعامل مع إيران بعد انتهاء الحرب، حيث تتبنى السعودية سياسة تقوم على موازنة العلاقات مع طهران ومنع عودة التصعيد، بينما تتخذ الإمارات موقفاً أكثر تشدداً، انطلاقاً من تعرضها لهجمات واسعة خلال الحرب.
ونبهت إلى أن الرياض تستعد لاستضافة قمة إقليمية تضم الدول العربية وإيران، في إطار مساعٍ لإطلاق ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، إلا أن مشاركة الإمارات في هذه المبادرة لا تزال غير محسومة.
وفي الجانب الاقتصادي، أوضحت فورين بوليسي أن السعودية استفادت من ارتفاع أسعار النفط خلال الحرب، كما عززت استخدام خط أنابيب الشرق–الغرب لتجاوز الاعتماد على مضيق هرمز، في حين واصلت قطر لعب دور الوسيط الرئيسي بين الولايات المتحدة وإيران، مستفيدة من علاقاتها مع الطرفين.
وأكدت المجلة أن قطر أصبحت لاعباً دبلوماسياً محورياً بعد نجاحها في احتواء عدد من الأزمات خلال الحرب، فيما تسعى مصر للاستفادة من مشاريع الربط والبنية التحتية التي تقودها السعودية، بينما تطمح تركيا إلى توسيع صادراتها الدفاعية في ظل استمرار التوترات الأمنية.
وخلصت فورين بوليسي إلى أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من إعادة رسم التحالفات الإقليمية، تقوم على موازين قوى مختلفة عن تلك التي سادت خلال العقد الماضي.
واعتبرت أن مستقبل المنطقة سيتحدد بدرجة كبيرة وفق قدرة هذه الاصطفافات الجديدة على إدارة التنافس مع إيران وإسرائيل في آن واحد، في وقت تتزايد فيه مؤشرات التباين بين السعودية والإمارات بشأن أولويات الأمن الإقليمي وشكل النظام الإقليمي المقبل.















