البنتاغون يقر بمقتل 153 مدنياً يمنياً في الغارات الأمريكية

أبلغت وزارة الدفاع الأمريكية الكونغرس بأن الغارات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة على اليمن خلال عام 2025 أسفرت عن مقتل 153 مدنياً وإصابة 243 آخرين، وفق تقييم داخلي أعده البنتاغون في تقرير من 12 صفحة قُدم إلى لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ.

وقدم التقرير حصيلة رسمية للخسائر المدنية التي قالت الوزارة إنها مرتبطة بالعمليات الجوية الأمريكية ضد جماعة الحوثيين، مشيراً إلى وجود 15 حادثة أخرى لا تزال قيد المراجعة لتحديد ما إذا كانت العمليات الأمريكية تسببت فيها بخسائر بين المدنيين.

وأقر البنتاغون بأن عدداً من الغارات تسببت “على الأرجح” في مقتل أو إصابة مدنيين، في اعتراف يسلط الضوء على الكلفة البشرية للحملة الجوية التي أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ببدئها في مارس 2025 ضد الحوثيين في اليمن.

واستهدفت الحملة مواقع ومنشآت تابعة للحوثيين رداً على هجمات الجماعة على السفن في البحر الأحمر، والتي قالت إنها جاءت دعماً للفلسطينيين في قطاع غزة.

ووثق التقرير عدداً من الغارات التي أدت إلى خسائر مدنية كبيرة، بينها غارة استهدفت العاصمة صنعاء في 6 أبريل 2025، وأسفرت، بحسب التقييم الأمريكي، عن مقتل خمسة مدنيين وإصابة 25 آخرين.

وسجل التقرير كذلك غارة أمريكية على محافظة الحديدة في 17 أبريل، أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 80 مدنياً، وفق الحصيلة التي أوردها التقييم.

وأثارت تلك الغارة انتقادات حادة من منظمات حقوقية، خصوصاً أن الهجوم استهدف ميناء رأس عيسى، وهو مرفق حيوي لدخول الإمدادات إلى اليمن.

واتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش الولايات المتحدة بإظهار استخفاف بأرواح المدنيين عندما استهدفت الميناء بينما كان مئات العمال موجودين في الموقع، ودعت إلى التحقيق في الهجوم باعتباره انتهاكاً محتملاً لقوانين الحرب.

كما أشار التقييم الأمريكي إلى غارة وقعت في أواخر أبريل في محافظة صعدة شمال غربي اليمن، وأسفرت عن مقتل عشرات المهاجرين الأفارقة، في حادثة زادت من الانتقادات الموجهة إلى الحملة العسكرية الأمريكية وطريقة اختيار أهدافها.

وتكشف الحصيلة الجديدة جانباً من النتائج التي رافقت واحدة من أوسع الحملات الجوية الأمريكية في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ نفذت القوات الأمريكية أكثر من ألف غارة وهجوم خلال فترة قصيرة، وفق المعطيات الواردة في التقرير.

وأوقفت واشنطن الحملة في مايو 2025، قبل زيارة ترامب إلى منطقة الخليج، بعد أسابيع من القصف المكثف الذي استهدف قدرات الحوثيين العسكرية.

لكن الحملة لم تؤد إلى إنهاء التهديد الذي كانت واشنطن تسعى إلى احتوائه، إذ استأنف الحوثيون لاحقاً هجماتهم ضد السفن في البحر الأحمر، ووسعوا نطاق عملياتهم لتشمل أهدافاً مرتبطة بالطاقة في السعودية، وفق ما ورد في المعطيات المتداولة حول التطورات اللاحقة.

وأظهرت هذه النتيجة حدود القوة الجوية في التعامل مع جماعة مسلحة تعمل في بيئة جغرافية معقدة، وتمتلك القدرة على إعادة توزيع قواتها ومنشآتها وإخفاء جزء من ترسانتها بعد الضربات.

وفي الوقت الذي تمكنت فيه الغارات الأمريكية من إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية للحوثيين، فإن تأثيرها لم يكن حاسماً على المدى الطويل، بحسب تقييمات مسؤولين إقليميين نقلتها التقارير.

وأعاد الكشف عن الخسائر المدنية أيضاً فتح النقاش حول قرار إدارة ترامب شن الحرب، خصوصاً في ظل الجدل الذي أثارته تسريبات “سيجنال غيت” التي كشفت جانباً من المداولات الداخلية لكبار مسؤولي الإدارة بشأن الحملة.

وأظهرت المحادثات التي كُشف عنها بعد إضافة رئيس تحرير مجلة “أتلانتيك” جيفري غولدبرغ عن طريق الخطأ إلى مجموعة على تطبيق “سيغنال” أن مسؤولين أمريكيين بارزين ناقشوا في وقت مبكر من الحملة مسألة الكلفة التي تتحملها الولايات المتحدة، وانتقدوا عدم مساهمة دول أوروبية ومصر في تحمل العبء العسكري.

وضمت المجموعة مسؤولين بارزين، بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ومستشار الأمن القومي آنذاك مايك والتز، والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف.

وكشفت الحصيلة الجديدة أن النقاش حول الكلفة لم يكن مرتبطاً بالإنفاق العسكري فقط، بل كانت هناك كلفة بشرية مباشرة دفعها مدنيون يمنيون.

وتزداد أهمية هذه الحصيلة مع استمرار التوتر في البحر الأحمر، إذ لم تمنع الضربات الأمريكية السابقة الحوثيين من استعادة نشاطهم ضد السفن، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول جدوى الاعتماد على القصف الجوي وحده لتحقيق أهداف استراتيجية طويلة الأمد.

كما يضع التقرير الإدارة الأمريكية أمام أسئلة قانونية وسياسية بشأن كيفية تحديد الأهداف، والإجراءات المتخذة لحماية المدنيين، ومدى كفاية التحقيقات التي أجريت بعد الغارات التي أوقعت قتلى وجرحى بين السكان.

ويأتي إقرار البنتاغون بهذه الأرقام في وقت لا تزال فيه آثار الحرب اليمنية تتجاوز حدود المواجهة بين الولايات المتحدة والحوثيين، لتطال حركة التجارة العالمية وأمن الملاحة وإمدادات الغذاء والطاقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى