الاستثمارات والمصالح الاقتصادية في الخليج تدفع الصين لمساعدة ترامب بإنهاء حرب إيران

تتجه الأنظار إلى العاصمة الصينية بكين، حيث يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الصيني شي جين بينغ في زيارة تستمر يومين، وسط توقعات بأن يتصدر الملف الإيراني جانبًا مهمًا من المحادثات، إلى جانب القضايا التجارية والاقتصادية بين أكبر اقتصادين في العالم.
ويرى خبراء أن حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، منحت الصين مكاسب استراتيجية مهمة، لكنها في الوقت ذاته وضعت مصالحها الاقتصادية الضخمة في الخليج أمام مخاطر غير مسبوقة، ما يدفع بكين إلى لعب دور متزايد في جهود احتواء التصعيد وإنهاء الحرب.
وقال وانغ ييوي، الباحث في العلاقات الدولية بجامعة رينمين في بكين، إن “رد إيران الشجاع على الهجوم الأمريكي أعطى ترامب درسًا”، معتبرًا أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض إرادتها كما في السابق، سواء على الصين أو إيران.
وتعتبر الصين المنافس الدولي الأبرز للولايات المتحدة، إذ يتصاعد الصراع بين الطرفين في ملفات الذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية وتايوان والنفوذ الجيوسياسي العالمي.
وفي هذا السياق، استفادت بكين من إخفاق واشنطن في إخضاع إيران عسكريًا، لكنها لم تكتف بالمراقبة، بل قدمت دعمًا مباشرًا لطهران خلال المواجهة الأخيرة.
وكشف موقع “ميدل إيست آي” البريطاني أن الصين زودت إيران بأنظمة دفاع جوي عقب الحرب مع إسرائيل في يونيو/حزيران 2025، والتي انتهت بضربة أمريكية استهدفت منشآت نووية إيرانية. كما أشار التقرير إلى أن بكين قدمت لطهران طائرات مسيرة انتحارية قبيل هجمات عام 2026.
وفي وقت لاحق، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية أن شحنات من أنظمة الدفاع الجوي الصينية المحمولة وصلت إلى إيران خلال أبريل/نيسان الماضي، فيما قالت صحيفة “فايننشال تايمز” إن إيران استخدمت أقمارًا صناعية صينية متطورة لتحديد مواقع القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج.
وشبّه بعض الخبراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران بما عُرف تاريخيًا بـ”لحظة السويس” بالنسبة لبريطانيا عام 1956، معتبرين أن الصراع الحالي قد يشكل بداية تراجع الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط.
وقال المسؤول الأمريكي السابق عاموس هوكشتاين إن إيران ستسيطر على مضيق هرمز “إلى الأبد” رغم الحصار الأمريكي المفروض على موانئها، في وقت لم تتمكن فيه واشنطن من تدمير مخزون إيران من الصواريخ الباليستية أو السيطرة على اليورانيوم المخصب الإيراني.
وقال جيك ويرنر، مدير برنامج شرق آسيا في معهد كوينسي، إن نجاح الولايات المتحدة في إسقاط النظام الإيراني كان سيصيب الصين بالذعر، لكن بكين في الوقت ذاته تتجنب استفزاز واشنطن بشكل مباشر، رغم إدراكها أن الولايات المتحدة باتت غارقة في أزماتها.
ورغم التنافس الجيوسياسي الحاد بين الصين والولايات المتحدة، يؤكد خبراء وجود مصالح مشتركة بين الطرفين فيما يتعلق بإيران ومضيق هرمز.
وقال أحمد عبودوح، الباحث في تشاتام هاوس ورئيس وحدة الدراسات الصينية في مركز الإمارات للسياسات، إن بكين وواشنطن تتفقان على نقطتين أساسيتين: منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وضمان إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.
وفي هذا الإطار، تلعب باكستان، الحليف الأمني والاقتصادي المقرب من الصين، دورًا في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران.
كما جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين بعد يومين فقط من دعوة وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت للصين إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية لإعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما اعتبره مراقبون رسالة صينية مباشرة لواشنطن بأنها تمتلك نفوذًا حقيقيًا على طهران.
ورغم ذلك، قلل ترامب من أهمية الدور الصيني، مؤكدًا أن بلاده “لا تحتاج إلى أي مساعدة مع إيران”، وأن واشنطن ستنتصر “سلميًا أو غير ذلك”.
الاقتصاد الصيني مهدد بسبب الحرب في الخليج
لكن الدافع الأهم للصين لإنهاء الحرب يبقى اقتصاديًا بالدرجة الأولى، إذ تسبب التصعيد في اضطراب كبير لاقتصادات آسيا المعتمدة على النفط والغاز الخليجي.
وقال ويرنر إن حلفاء الولايات المتحدة في آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند قد يتضررون من إغلاق مضيق هرمز قبل الصين، إلا أن بكين لا تستطيع تحمل تداعيات الانهيار الاقتصادي الإقليمي بسبب اعتماد اقتصادها على التجارة والصادرات العالمية.
كما قلبت الحرب استثمارات الصين الضخمة في الخليج رأسًا على عقب، في وقت ضخت فيه بكين مليارات الدولارات داخل دول مجلس التعاون الخليجي.
وتعد السعودية ثالث أكبر متلقٍ لعقود البناء الصينية ضمن مبادرة “الحزام والطريق” خلال عام 2025 بقيمة تقارب 20 مليار دولار، فيما أصبحت الإمارات من أكبر وجهات الاستثمار الصيني المباشر، خاصة في منطقة خليفة الصناعية بأبوظبي.
كما اتخذت شركة “كوسكو” الصينية العملاقة ميناء خليفة مركزًا رئيسيًا لها في الشرق الأوسط، ما يعكس حجم الارتباط الاقتصادي الصيني بالخليج.
وأكد عبودوح أن الصين تسعى لمنع انجرار دول الخليج إلى الحرب، بخلاف الولايات المتحدة التي مارست ضغوطًا على بعض الدول الخليجية للمشاركة في الصراع.
وأضاف أن بكين ترغب في توسيع نموذج الاتفاق الإيراني السعودي الذي رعته عام 2021، معتبرة أن هذا النموذج يمكن أن يتحول إلى قاعدة أوسع للاستقرار الإقليمي “عندما تتوقف الصواريخ والطائرات المسيرة عن التحليق”.















