لماذا يفتح العراق ملف الفساد الآن؟ حملة الزيدي تختبر قدرة الدولة على استعادة الأموال

بدأ رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي منذ توليه منصبه في مايو/أيار حملة واسعة لمكافحة الفساد، واضعاً ملف استعادة الأموال العامة وملاحقة المسؤولين المتهمين بالاختلاس في مقدمة أولويات حكومته.
وتتحرك الحملة تحت ضغطين متزامنين: ضغط داخلي لاستعادة ثقة العراقيين بالدولة ومؤسساتها، وضغط أميركي متزايد على بغداد لمكافحة شبكات الفساد والتهريب المالي، بالتوازي مع مطالبة الحكومة العراقية بالسيطرة على السلاح وحصره بيد الدولة.
ويواجه الزيدي في الوقت نفسه مهمة أكثر تعقيداً تتمثل في الحفاظ على علاقته مع إيران، الحليف السياسي والأمني المهم للعراق.
واتخذ الزيدي منذ الأيام الأولى لحكومته إجراءات استهدفت مسؤولين كباراً، كان أبرزها اعتقال نائب وزير النفط لشؤون التكرير عدنان الجميلي، الذي كان يشغل أيضاً منصب المدير العام لشركة مصافي النفط الشمالية، على خلفية اتهامات تتعلق بهدر واختلاس أموال في مشاريع تكرير النفط.
وتوسعت التحقيقات لاحقاً لتشمل مسؤولين حكوميين ونواباً في البرلمان، فيما تحولت مصادرة الأموال والأصول إلى أحد أبرز أدوات الحملة، بعدما بدأت السلطات تتعقب العائدات التي تقول إنها نتجت عن عقود ومشاريع حكومية جرى التلاعب بها.
وكشفت السلطات القضائية في 16 أغسطس/آب عن ضبط 20.34 مليون دولار نقداً و60 كيلوغراماً من الذهب وسبع سيارات مرتبطة بقضية الجميلي.
وقال المجلس الأعلى للقضاء إن قاضي التحقيق في المحكمة الجنائية المركزية لمكافحة الفساد نفذ إجراءات المصادرة بالتنسيق مع سلطات إقليم كردستان.
وأعلنت هيئة النزاهة العراقية كذلك استعادة نحو 5.84 مليون دولار، إضافة إلى 1.175 مليار دينار عراقي، فضلاً عن الذهب، من منزل خالد خزاعي عطية، نائب وزير الكهرباء للنقل والتوزيع، الذي أُلقي القبض عليه في 14 أغسطس/آب.
وتشير التحقيقات إلى أن العقود والأموال المخصصة لتحديث وتشغيل المصافي جرى تحويلها عبر شبكة من الشركات والوسطاء، فيما دفع ضبط الأموال والذهب في بغداد وأربيل المحققين إلى تتبع حركة الأصول بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان.
وتسعى الحكومة إلى استعادة الأموال التي تقول إنها اختُلست وإعادتها إلى خزينة الدولة، في وقت يواجه العراق ضغوطاً مالية وحاجة متزايدة إلى تمويل الخدمات ومشاريع البنية التحتية والتنمية.
ويحتل قطاع النفط موقعاً مركزياً في الحملة، باعتباره المصدر الرئيسي لإيرادات العراق، وبسبب تكرار الاتهامات المرتبطة بالتهريب والتسريبات المالية والعقود الحكومية المبالغ في قيمتها.
وتكتسب ملفات التكرير أهمية خاصة، لأن العراق ما زال يستورد كميات كبيرة من الوقود رغم امتلاكه احتياطيات ضخمة من النفط الخام.
وتواجه الحكومة بذلك اختباراً مزدوجاً: إثبات قدرتها على محاسبة شخصيات نافذة، وإظهار أن الحملة لا تستهدف خصوماً سياسيين بصورة انتقائية. وتزداد حساسية هذا الاختبار في نظام سياسي تتداخل فيه المصالح الحزبية والشبكات الاقتصادية مع مؤسسات الدولة.
وتعتمد السلطات في تنفيذ الحملة على المحكمة الجنائية المركزية لمكافحة الفساد وهيئة النزاهة ووحدات الاستخبارات المالية، إلى جانب التنسيق مع السلطات في إقليم كردستان لتعقب الأموال والأصول التي قد تكون نُقلت خارج نطاق المؤسسات الاتحادية.
ويربط الزيدي مكافحة الفساد بملف أوسع يتعلق بإعادة بناء سلطة الدولة. فالحكومة تواجه ضغوطاً لإقرار إصلاحات، فيما تقترب مواعيد نهائية مرتبطة بنزع سلاح الجماعات المسلحة، ما يجعل استعادة السيطرة على المال العام جزءاً من معركة أوسع لإعادة فرض سلطة المؤسسات الرسمية.
وقد بدأت الحملة تحقق أثراً ملموساً في حجم الأموال والأصول التي جرى ضبطها، لكن نجاحها النهائي سيقاس بما ستنتهي إليه المحاكم، وبقدرة الدولة على استرداد الأموال فعلياً ومنع إعادة إنتاج الشبكات نفسها.
وتبقى المعركة الأصعب أمام الزيدي هي تحويل حملة الاعتقالات والمصادرات إلى تغيير مؤسسي دائم، في بلد ارتبط فيه الفساد لسنوات بعقود النفط والنفوذ السياسي وشبكات المصالح.
وتدعم بيانات حديثة عن جهود مكافحة الفساد في العراق وجود حجم كبير من القضايا والمشاريع المتعثرة المرتبطة بالإنفاق العام.
وبذلك لا تبدو حملة الزيدي مجرد ملاحقة لملفات فساد منفردة، بل اختباراً لقدرة رئيس الوزراء الجديد على استخدام القضاء ومؤسسات الدولة لاستعادة الأموال والنفوذ معاً، في وقت يحاول فيه العراق إعادة رسم علاقاته بين واشنطن وطهران وترسيخ سلطة الحكومة المركزية.















